العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 28 / 12 / 2003

 


الجولان ينادينا

دور الجولان

لعلنا لا نجد في تاريخ الشعوب العربية، وعلاقاتها بالأرض التي تقلها وتنبت لها الخيرات وتضم رفاتها، منطقة كانت ذات أثر حاسم وفعال، وجزء من الأرض لعب أخطر الأدوار في صنع تاريخها الحديث، مثل الجولان...

وإنني لا أبالغ فيما أقول.. وسأسوق الأدلة على ذلك.

فالجولان... لعب دوراً خطيراً جداً في الأحداث المتعاقبة على سورية، منذ قيام دولة الاغتصاب، وحتى يوم النكبة.

ففي الجولان... نبتت الفكرة الأولى لأكثر الانقلابات التي شهدتها سورية.. وفيه حبكت الخيوط الأساسية لتلك الانقلابات.

أكثر الضباط الذين كان لهم دور خطير في الانقلاب الأول وعلى رأسهم الزعيم حسني الزعيم قائد الجيش والعقيد بهيج كلاس، تفتحت أبصارهم على سوء أوضاع الجيش.. نظراً لما شاهدوه خلال تمركز وحداتهم في الجولان..

ومن أجل خط أنابيب بترول التلابلاين، التي تمر في الجولان، ومن أجل توقيع اتفاقية الهدنة بين سورية وإسرائيل، بالشكل الفاضح المجحف بحقوق سورية وعرب فلسطين. ومن أجل هاتين نفذ حسني الزعيم انقلابه الأول منطلقاً من الجولان إلى دمشق.. ووقع اتفاقية الهدنة، واتفاق التابلاين، بعد أن رفضها المجلس النيابي السوري في شباط عام 1949، ثم أُزيح بعد أن أدى مهمته.

ومن الجولان، عام 1953، انطلقت المدافع تعترض سبيل العدو، وتمنعه من تنفيذ مشروعي تجفيف الحولة وتحويل نهر الأردن، حتى اضطر العدو إلى طرح القضيتين أمام مجلس الأمن الدولي، واستأثر الموضوع باهتمام العالم مدة لا تقل عن سنة، واستطاع الجيش السوري أن يوقف أعمال العدو في جزء خاص من تجفيف الحولة. في المرحلة الأولى والأهم من مشروع تحويل نهر الأردن، وأجبرت العدو على إدخال تعديل كبير جداً على مخططاته لهذا المشروع.

وفي الجولان... بدأت التجمعات الأولى، التي أعدت للإطاحة بحكم أديب الشيشكلي، رغم أن الشرارة الأولى لذلك الانقلاب، خرجت من حلب، ولكن ثقل الجبهة (الجولان)، كان إلى جانب الانقلاب. فنزل الشيشكلي عن الحكم.

وفي الجولان... وعلى أرضه الكريمة، حدثت الإغارة الإسرائيلية الكبيرة ليلة 11/12/1955 وكان من نتائجها بداية تسلط البعثيين على الحكم والجيش، تستراً وراء العقيد عدنان المالكي. ولعل ذلك كان واحداً من أهم أهدافها ؟

وفي الجولان.. وبسبب أرضه وجواره (المنطقة المجردة)، تتابعت الصدامات العنيفة.. بين سورية وإسرائيل، تفاوتاً في القوة بين الاشتباك الصغير المحلي، والاشتباك الشامل الذي يعم الحدود أو جزء كبيراً منها.

وكان من أبرز هذه الاشتباكات، معارك التوافيق عام 1957، وعام 1960.

وفي الجولان... وبسبب الصراع على المياه والأسماك، استمرت أيضاً الصدامات بين الطرفين، كان أكبر مظهر لها معركة تل النيرب عام 1961.

وعلى أرض الجولان... بدأت التجمعات الأولى للضباط اليساريين، وحبكت خيوط التعاون بينهم، لإسقاط الأوضاع الديمقراطية، وفرض ديكتاتورية اليسار، وكان ذلك في الأعوام (1955، 1956، 1957).

وشهد الجولان استعدادات للتدخل ضد العدو أكثر من مرة، كان أبرزها، الحشد الكبير الذي تم في عام 1956، خلال العدوان الثلاثي على مصر.

وكان للجولان أيضاً أثر كبير جداً في الضغوط التي مارسها العسكريون لفرض الوحدة بين مصر وسورية... حتى توجهت جهودهم بإعلانها عام 1958.

وعلى أرض الجولان... ومنذ بداية الوحدة، سقط الشهداء من أبناء الإقليمين، وكانت البادرة الأولى، مبشرة بتحقيق الارتباط الدموي المتين بين أبناء الوطن الواحد، امتزاجاً بالتراب الطاهر، على الحدود ضد العدو الدخيل.

وفي الجولان... نبتت وترعرعت الأفكار التي اتجهت تحو تقويم أوضاع الوحدة بعد انحرافها وتشويهها بأيد معينة (خفية وبارزة). وكانت تلك اللقاءات هي النواة الأولى في كيان الحركة التي وقعت في أيلول لعام 1961 وكان من نتيجتها انفصال الإقليمين، وفصم عرى تلك الوحدة.

وفي الجولان... وقعت أحداث في غاية الخطورة، كان لها الأثر الحاسم الفعال في تحديد خط سير الأحداث، خلال فترة الانفصال وبعده.

وعلى أرض الجولان... تمت اللقاءات الخطيرة بين الضباط العراقيين والسوريين، وفيها تم نسج خيوط التعاون لإسقاط حكم عبد الكريم قاسم في العراق، وحكم الانفصاليين في سورية [1].

ومن أرض الجولان... انطلقت الوحدات ليلة الثامن من آذار 1963، لتنفذ المؤامرة الكبرى، تحت ستار من الشعارات الكاذبة المضللة على نحو نوهنا عنه في صفحات مضت.

وعلى أرض الجولان... كان مقرراً أن تقوم المشاريع الضخمة لتحويل مصادر مياه نهر الأردن، ليتم حرمان العدو من مشاريعه التوسيعة الخطيرة، وفي مقدمتها مشروع تحويل نهر الأردن.

وشهدت أرض الجولان... صدامات عنيفة، واعتداءات متكررة، حقق العدو منها منع العرب تنفيذ مشاريعهم في تحويل منابع المياه، وكان لذاك أثره وصداه العميقان في ضمير كل مواطن في دنيا العرب.

وعلى أرض الجولان، تم تصفية عدد كبير من العسكريين، قتلاً وتسريحاً وتعذيباً، بأيدي جلادي حزب البعث الذي حكم سورية اليوم، تمهيداً لإضعاف قوة الجولان، ثم تسليمه للعدو، كما اتفقوا عليه.

وفي أرض الجولان، دفنت ملايين الليرات (للتحصين)، وعلى أرضه وذراه وروابيه، وفي وديانه ومنحدراته أقيمت المنشآت المختلفة، لإيواء الناس والقوات، استعداداً لساعة محنة يطلب فيها الصمود، ولكن جيش حزب البعث لم يصمد، فسلم الجولان للعدو، غنيمة سهلة ثمينة.

وعلى أرض الجولان... تم تنفيذ المسرحية الكبرى في تاريخ المسرح الدولي، مسرحية الحرب التي سموها (عدوان 5 حزيران)... وكان الختام المقرر لهذه المسرحية تسليم الجولان، بالتمام والكمال، كما اتفق عليه وكلاء حزب البعث، مع وكلاء إسرائيل... في باريس.

ذاك كله، وأكثر منه بكثير وأخطر، كانت أرض الجولان مسرحاً له، مما ليس هذا مجال ذكره، وفي الصفحات القادمة ، سنشرح جزء خطيراً منه، وهو الجزء المتعلق بحرب حزيران عام 1967، على أمل لقاء آخر، نشرح للقارئ فيه أسرار وخفايا الجولان، قبل الخامس من حزيران.



[1]- كان ذلك في ربيع عام 1962، وبمناسبة زيارة وفد من الضباط العراقيين للجبهة السوري، عقب معركة تل النيرب التي وقعت بين سورية وإسرائيل ليلة 16ـ17 /3 / 1962.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ