العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 27 / 02 / 2005

 


الجولان ينادينا ـ 33 ـ

القسم الثالث

أنوار في الطريق

.. وبعد النكبة هذه.. وخشية وقوع ما هو أسوأ.. وبعد أن أثبت الجيش (المفدى) عجزه عن صون الأمانة.. أصبح لزاماً أن تعود إلى صاحبها الحقيقي.. الشعب بمجموعه.

فأمانة الحفاظ على البلاد.. وصون مستقبل الأمة.. ومن ثم الانطلاق في سبيل التحرير لإنهاء الوجود الغازي الدخيل ـ وكل وجود غريب ـ على أرضنا.. أصبح فرضاً على الشعب كله أن يستردها ويمارس بنفسه كل صور القتال، ويبذل كل أنواع التضحيات.. ليزول العار.. وتطوى صفحته في التاريخ، على إنها لحظة من لحظات الضعف الإنساني.. يعذرنا أمام أجيالنا، إننا بادرنا إلى التخلص منها، وعدنا فوراً إلى منطلقات قوانا ومرتكزاتها. لمعاودة مسيرتنا (المفروضة) نحو المساهمة في بناء حضارة الإنسان.. وإسعاده.. !

وإيماناً بحقنا ـ نحن الذين ما كانت لنا يد في نكبتنا، ولا حيلة لدفعها ـ في الإدلاء بكل ما نراه كفيلاً بهداية الصادقين الذين يتلمسون وسائل استعادة الحق، ودفع العار.. وإسهاماً بجزء من الواجب الكبير الملقى على عواتقنا.. والمسئولين عنه أمام الله والأمة.. وإلى الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا استكباراً.. العاملين بصمت صادق مخلص.. القادرين على تجاوز عقد التخلف المسبب لكل نكبة..

إلى هؤلاء جميعاً.. سأحاول أن أضع على الطريق بعض الصوى.. فعسى الله أن ينفع بها.. وتكون معالم واضحة لمشكلتنا، ونهتدي إلى أفضل حل للارتفاع من الهوة التي فيها سقطنا..

ـ 1 ـ

عدونا في العراء

 (الصهيونية هي العودة إلى حظيرة اليهودية قبل أن تصبح العودة إلى أرض الميعاد).

تيودور هرتزل، من خطابه الافتتاحي للمؤتمر الصهيوني الأول في بال (سويسرا) عام 1897. عن كتاب (المسلمون والحرب الرابعة).

إن أهم ما يجب توضيحه وفهمه، في موقف العدو منا وحقيقة أمره، هو الكشف عن الأسس التي عليها بنيت جميع مواقفه منا، والتي تشكل في مجموعها، الروح الحقيقية التي تحركه في صراعه معنا لإبادتنا والحلول على أرضنا.

فعلى الرغم من كل التأثيرات التي أحدثتها حضارة الغرب العلمانية في الغرباء الذين حلوا بأرضنا لصوصاً غزاة، وأقاموا دولتهم على أنقاض شعبنا في فلسطين وسيناء والجولان..

هؤلاء الدخلاء.. الذين قدم إليها معظمهم من بلدان سبقتنا في الحضارة والازدهار العلمي والمادي.. وعلى الرغم من كل ما خلفت فيهم تلك الحضارة، من آثار في السلوك الخلقي والاجتماعي، أو طراز الحياة اليومي، أو حتى في أساليب التفكير، وعلى الرغم من كل ما يبدو لنا من مظاهر انحلالهم وبعدهم ـ ظاهرياً ـ عن الدين.. إننا على الرغم من ذلك كله.. نرى ونحس بوضوح ودقة، الروح الدينية التعصبية الحاقدة، التي حركتهم ليهجروا مراتع طفولتهم وصباهم ويأتوا إلينا غازين مستنفرين في كل لحظة، ضاربين بالراحة والسعادة والاستقرار عرض الحائط.. مضحين بكل شيء من أجل إقامة دولتهم.. الدينية التي تأمرهم كتبهم المحرفة بإقامتها على أنقاضنا.

وقد لا يبدو هذا واضحاً للمراقب إلا بعد التدقيق في نصوصهم ـ قديمها وحديثها ـ فيجد أن دهاقنة اليهود وراسمي أسس سياستهم ومدبري خططهم الرهيبة لإقامة دولتهم والتحكم في العالم كله.. إنما ينزعون عن قوس واحدة، وينهلون من مورد واحد، ويتحركون في إطار موحد، من الحقد والكراهية التي غرسها في قلوبهم دينهم المحرف، وتوارثوها جيلاً بعد جيل، ساعدهم على ذلك العزلة المطبقة التي فرضوها على أنفسهم والتقوقع الذي مارسوه طيلة الآلاف الماضية من السنين.. رغم تشردهم في بقاع الله الواسعة.

هؤلاء الغرباء إذن، جاؤونا مدفوعين بروح تعصبية غريبة من نوعها، أشاعتها في نفوسهم الفكرة التي أطلقها دهاقنتهم القدماء، بأنهم هم شعب الله المختار، وإن كل من في العالم عبد لهم، يرثون أرضهم وديارهم، ويقتلون أبناءهم ويستحيون نساءهم.. تماماً، كما فعل آل فرعون بهم في مصر في قديم الزمان. وتتمثل هذه الروح التعصبية اللئيمة في النقاط الآتية:

1ـ النقطة الأولى هي الفكرة الخبيثة.. التي بها يؤمنون هي أنهم دون سواهم (شعب الله المختار) وأن شعوب العالم الأخرى ـ ونحن منهم ـ حمير وكلاب وبهائم، وإنه لابد لهذا الشعب (المختار) أن ينال من ملك إلهه (الذي اختاره)، ما تجيزه له هذه (المخترة) من حق السيادة والتحكم والاستغلال، حتى ولو كان ذلك يستوجب الفتك والولوغ في كل محرم.

جاء في التوراة: (لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك، إياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعباً أخص من جميع شعوب الذين على وجه الأرض).

وتقول نصوص التلمود: (سأل إسرائيل إلهه قائلاً: لماذا خلقت سوى شعبك المختار ؟ فأجابه: لتركبوا ظهورهم، وتمتصوا دماءهم، وتحرقوا أخضرهم، وتلوثوا طاهرهم، وتهدموا عامرهم !!)[1].

ويقول التلمود أيضاً: (إن الله خلق غير اليهود بالصورة البشرية إكراماً لليهود، لأن غير اليهود وجدوا لخدمة اليهود ليلاً ونهاراً بدون ملل، ولا يوافق أن يكون خادم الأمير حيواناً له الصورة الحيوانية، بل يجب أن يكون حيواناً له الصورة البشرية)[2]..

ويقول الرباني اليهودي (أباربانيل): (الشعب المختار وحده يستحق الحياة الأبدية. أما الشعوب الباقية فمماثلة للحمير)[3].

وورد في التلمود أيضاً: (كما أن ربة البيت تعيش من خيرات زوجها، هكذا أبناء إسرائيل، يجب أن يعيشوا من خيرات الأمم دون أن يحتملوا عناء العمل)[4].

وجاء في العهد القديم: (وأما عبيدك وإماؤك الذين يكونون لك فمن الشعوب الذين حولكم. منهم تقتنون عبيداً وإماء، وأيضاً من أبناء المستوطنين النازلين عندكم، منهم تقتنون ومن عشائرهم الذين عندكم الذين يلدونهم في أرضكم فيكونون ملكاً لكم، وتستملكونهم لأبنائكم من بعدكم ميراث ملك، تستعبدونهم إلى الدهر، وأما إخوانكم بنو إسرائيل، فلا يتسلط إنسان على أخيه بعنف)[5].

2ـ والنقطة الثانية الكامنة في الفكرة الخطيرة.. التي يتحركون وراءها وبها يتسترون، أرض الميعاد في بلادنا، مستندين بذلك إلى نصوص هي غاية في التحريف والباطل، ولو وضعت في كل لحظة موضع النقاش العلمي المتزن، لما صمدت، ولبرز فوراً زيفها وسخفها.

وانطلاقاً من هذه الفكرة، وتستراً بهذه النصوص الباطلة، أصر دهاقنة اليهود منذ الصرخات الأولى التي أطلقها رواد الصهيونية الأول.. أصروا على أن تكون دولتهم المنشودة في أرض الميعاد.. (فلسطين).. رافضين كل العروض التي قدمت لهم في أماكن أخرى من العالم.

جاء في العهد القديم: (أما أنا، فقد مسحت ملكي على جبل صهيون ـ جبل قدسي، إني أخبر من جهة قضاء الرب، قل لي أنت يا ابني ـ أنا اليوم ولدتك، اسألني فأعطيك الأمم ميراثاً لك، وأقاصي الأرض ملكاً لك، تحطمهم بقضيب من حديد، مثل إناء خزاف تكسرهم)[6].

ـ (في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام (إبراهيم) ميثاقاً قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات)[7].

ـ (وقال يعقوب ليوسف: الله قادر على كل شيء ظهر لي في نور في أرض كنعان وباركني، وقال لي ها أنا أجعلك مثمراً وأكثرك وأجعلك جمهوراً من الأمم، وأعطي نسلك هذه الأرض من بعدك ملكاً أبدياً)[8].

ـ (الرب إلهنا كلمنا من حوريب قائلاً: كفاكم قعود في هذا الجبل، تحولوا وارتحلوا وادخلوا جبل الآموريين وكل ما يليه من العربة والجبل والسهل والجنوب وساحل البحر، أرض الكنعاني ولبنان إلى النهر الكبير نهر الفرات، انظر قد جعلت أمامكم الأرض ادخلوا وتملكوا الأرض التي أقسم الرب لآبائكم إبراهيم وإسحق ويعقوب أن يعطيها لهم ولنسلهم من بعدهم)[9].

ـ (لم نأخذ أرضاً لغريب، ولم نستول على شيء لأجنبي، ولكنه ميراث آبائنا الذي كان أعداؤنا قد استولوا عليه ظلماً)[10].

وفي العصر الحديث:

ـ (إن دولة إسرائيل قامت فوق جزء من أرض إسرائيل)[11].

ـ (تتألف كل دولة من الأرض والشعب، وإسرائيل لا تشذ عن هذه القاعدة، غير إنها دولة لم تأت مطابقة لأرضها وشعبها.. وأضيف الآن: إنها قامت فوق جزء من أرض إسرائيل فقط. فالبعض يتردد بصدد استرجاع حدودنا التاريخية التي جرى رسمها وتعيينها منذ بداية الزمان، وحتى هؤلاء لا يسعهم إنكار الشذوذ الذي تمثله الحدود الجديدة)[12].

ـ (.. لعلك تذكر يا سيدي الجنرال، لقاءنا في يونيو سنة 1960، لقد سألتني حينذاك: ما هي أفكاركم الحقيقية عن الحدود الفعلية لإسرائيل ؟ أخبرني عنها ولن أقول لأحد..! لقد أجبتك عندئذ قائلاً: (لو أنك سألتني هذا السؤال منذ خمس وعشرين سنة، لأجبتك أن الحدود التي نريدها، هي: نهر الليطاني شمالاً، ونهر الأردن شرقاً. أما جوابي على سؤالك الآن، فأقول لك: ليست لنا أية مطامع إقليمية في الوقت الحاضر..)[13].

ويقول هرتزل: (المساحة من نهر مصر إلى الفرات، لابد من فترة انتقالية لتثبيت مؤسساتنا، يكون فيها الحاكم يهودياً.. وما أن تصل نسبة السكان اليهود إلى الثلثين حتى تفرض الإرادة اليهودية نفسها سياسياً)[14].

وهم بهذه الفكرة الخبيثة، فكرة أرض الميعاد، إنما يخفون أطماعاً استعمارية رهيبة، موجزها أنهم يحلمون بالسيطرة على مفتاح العالم وعقدة مواصلاته ومنبع ثرواته، ومدفن كنوزه.. هذه القارة العربية الهائلة، التي حلم بها كل طامع عبر القرون، وسعى للفوز بها من فكر بالسيطرة على العالم كله. واليهود اليوم.. لا يختلفون عمن سبقهم من الغزاة ـ من زاوية التفكير والأطماع هذه فقط ـ ولقد بدأوا مطالبتهم بأسلوب خبيث مدروس، فأظهروا أنفسهم بأنهم الشعب المسكين المسالم الذي لا يحلم بغير دويلة صغيرة في أرض فلسطين، ذلك الجزء الصغير من الأرض العربية، التي إن تخلى العرب عنها لهم، فلن يخسروا شيئاً كثيراً بالنسبة لاتساع الأراضي عندهم وامتدادها !!

وما أن ثبتوا أقدامهم على أرض فلسطين، حتى أصموا آذان العالم بصراخهم وعويلهم، يلحون على أسماع الشعوب.. بأنهم لا يريدون أكثر من العيش بهدوء وسلام مع جيرانهم.. هؤلاء المتوحشين حتى الآن، لم يكفوا عن التربص بهم.. وتحين الفرصة لابتلاعهم.

وهكذا كان.. طيلة العشرين عاماً الماضية.. حتى جاء يوم العار، فخلع الذئب عن نفسه جلد الحمل، وكشر عن أنيابه ومخالبه، وهجم على الحملان المتسترة بجلود النمور.. فمزقها وشردها واحتل أرضها وديارها، وداس كرامتها، ومرغ شرفها.. في الوحل (على الأقل).

والآن.. وبعد أن تمكنت أقدام العدو في الأرض، وبعد أن أسكرته خمرة الانتصار الخاطف.. بدأت ترتفع عقيرته بالصياح يعلن أن أرض الميعاد ليست فلسطين وحدها، بل هي من النيل إلى الفرات (راجع النصوص في الصفحات السابقة).

وكشف العدو عن جزء من أطماعه.. وأخذ يعمل بجد ليصل إلى الحدود المقررة للمرحلة القادمة من وثباته. ومن يدري.. لعله في الوثبة القادمة، إن تمكن، سيطالب بجنوب اليمن، ومضيق جبل طارق، وخليج البصرة ومضيق البوسفور ؟


[1] - عن كتاب دفائن النفسية اليهودية ـ محمد علي الزعبي ـ ص (26).

[2] - عن كتاب همجية التعاليم الصهيونية ـ بولس حنا مسعد ـ ص (66).

[3] - عن كتاب الكنز المرصود في قواعد التلمود ـ الدكتور يوسف حنا نصر الله ـ الطبعة الثانية ـ        ص (68).

[4] - همجية التعاليم الصهيونية ـ ص (77).

[5] - سفر اللاويين ـ الإصحاح الخامس والعشرين 44،45،46.

[6] - مزامير. مزمور 2: 6 ـ 9.

[7] - تكوين. إصحاح: 15 ـ 18 .

[8] - تكوين. إصحاح: 48 ـ 3 ، 4 .

[9] - التثنية ـ  الإصحاح الأول ـ : 6 ـ 8 .

[10] - سفر المكابيين الثاني : 15 ـ 34 .

[11] - ص 217 من الكتاب الحكومي السنوي لإسرائيل، للعام 1952، انظر الكتاب: ابن غوريون ص 202 ـ تهاني هلسة ـ من منشورات منظمة التحرير الفلسطينية.

[12] - ص 204 من كتاب بان غوريون. من منشورات منظمة التحرير الفلسطينية.

[13] - من خطاب وجهه ابن غوريون إلى الجنرال ديغول عقب حرب حزيران. (عن كتاب: المؤامرة ومعركة المصير ـ سعد جمعة ـ طبعة 3 ـ  ص 35)

[14] - عن جريدة (الأنباء) اللبنانية، ملحق العدد 864، السبت في 4 كانون الثاني 1969.

يتبع

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ