العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 26 / 09 / 2004

 


الجولان ينادينا ـ 26 ـ

نقاش الإثبات (2)

4ـ الهجوم الكاذب:

وأما فكرة الهجوم، ذلك الذي زعموا أنهم قاموا به أو ينوون فلنا عنده وقفة طويلة.

إن ما نود تأكيده، ولفت الانتباه إليه، أن سياسة الهجوم لم تكن معتمدة في سوقية (استراتيجية) القيادات السورية، منذ قامت الهدنة الدائمة عام 1949، وحتى يوم النكبة. إن سوق القيادات المتعاقبة في سورية ـ مدنية وعسكرية ـ كان كله مبنياً عن الدفاع والتشبث بالأرض، للحيلولة دون وقوع نكبة جديدة، لأن الجيش ـ في تقدير الخبراء العسكريين ـ لم يكن في يوم من الأيام قادراً على تحقيق تفوق يمكنه من خوض هجوم ناجح على الأرض المحتلة، لتصفية الكيان الإسرائيلي الدخيل، إن كل ما بني من سوق للدولة السورية ـ حتى خلال أيام الوحدة ـ كان قائماً على الدفاع وحده، دون التعرض للعدو بأعمال تتسم بالطابع الهجومي، مهما كان حجمها أو مداها.. لأن سياسة السوق السوري بنيت على عقدتين أساسيتين كانتا تحكمان العقلية التي تعاقبت على القيادة السورية منذ نكبة 1948 وحتى حزيران 1967، وهما:

أن الوضع السياسي الدولي لا يسمح ـ في زعمهم ـ بالتعرض للعدو الإسرائيلي بأية أعمال هجومية، محلية محدودة، أو عامة تهدف إزالة الورم الإسرائيلي الخبيث.

وثانياً: أن القدرة القتالية الفنية (في التسليح والمستوى التكنولوجي وأعمال إمدادات القوات بكل احتياجاتها للحرب)، ستبقى دوماً عاجزة عن تحقيق التفوق القادر على دفع الجيش السوري لخوض حرب هجومية ـ خاطفة أو طويلة المدىـ بهدف إزالة إسرائيل. وبتعبير آخر وأوضح أن فكرة إزالة إسرائيل، وتحرير الوطن المسلوب وإعادته إلى أصحابه الشرعيين، لم تكن سوى شعارات تطرح للجماهير بغية الاستهلاك السياسي وكسب الأنصار والأتباع، بينما كانت العقليات التي حكمت البلاد، تؤمن وتردد في مجالسها الخاصة والسرية وحتى في مخاطباتها الرسمية[1] أن إزالة إسرائيل غير ممكن.. وأن هذا مما لا يصح إعلانه للجماهير.. لذلك فإن أفضل قيادة عرفتها البلاد، كانت تركز كل اهتماماتها حول صون الحدود، ورد العدوان إذا ما حاول الزحف لابتلاع أرض جديدة، والتوسع على حساب مزيد من الأرض السورية.

وإننا حين نصر على هذا المفهوم الذي حكم السياسة في سورية العليا، طيلة سنوات ما قبل حزيران العار، لسنا متجنين على أحد، ولا نغمط أحداً حقه أبداً.. بل، وإن الذي يؤكد بشكل قاطع ما ذهبنا إليه، هو إصرار القيادات المتعاقبة على زيادة التحصين، ورفع مستواه، حتى بلغ في عام 1961، مستوى من المنعة والقدرة والفعالية، جعل خبراء الدفاع في العالم، يصفونه بأنه التحصين الذي يستحيل اختراقه. وأنه قادر على الصمود حتى أمام ضربات ذرية صغيرة، أو قصف كيمياوي تستعمل فيه أنواع متعددة من الغازات أو السوائل الكيميائية الفعالة.

ولذلك.. فإننا حين سمعنا ادعاءات إذاعة حزب البعث، إنها قامت بالهجوم، واحتلت ودمرت، وأن قواتها قد وصلت إلى صفد.. كان الانطباع المنطقي لدينا، أنهم كاذبون دجالون.. يفترون على الله وعلى الأمة بمجموعها حتى في أدق ساعات الخطر التي مرت بها خلال تاريخها الحديث..

وقد أكدت الأحداث والأخبار والحقائق التي نشرت أو أذيعت أو تسربت على ألسنة الصادقين المخلصين الذي كانوا هناك أيام تلك الحرب.. صحة تكذيبنا لهم، وأوضح لنا أنهم إنما كانوا يزايدون على الأمة حتى في اللحظة التي كانت جيوش العدو تحتل أرضها، وتشرد مزيداً من أبنائها وتدمر ما يعجز الحصر من عدتها وعتادها وتسليحها.

وفيما اتخذته القيادة السورية البعثية من أعمال وأجرته من تحركات، من أجل (الهجوم الكاذب) تكمن أخطر نقطة في المؤامرة التي نفذوها.. وبها سلموه جولاننا الحصين، حبة القلب ونور العين وضياؤها.

هذه الأعمال التي قامت بها القيادة البعثية، تميزت بعملين هما في الحقيقة أهم ما نفذته من إجراءات، ظاهرها ضد العدو، وحقيقتها كانت لصالحه.

فالعمل الأول، هو الهجوم الذي قامت به وحدات هزيلة من الحرس الوطني ـ وما أعد الحرس الوطني في يوم من الأيام إلا للإنذار وقتال التأخير ـ دخلت فيه الأرض المحتلة مسافة 2 ـ3 كيلومترات، وهاجمت مستعمرة شرياشوف، فوجدتها خاوية على عروشها، قد أخلاها العدو منذ عدة أيام سبقت الحرب.

والعمل الثاني، هو تقديم لواءين من الاحتياط، لاحتلال قاعدة الانطلاق ـ انظر تحديدها في فصل سابق ـ بحجة إجراء الهجوم على صفد. فما هي مكامن الخيانة في هذين العملين، وما هي حقيقة الأهداف التي من أجلها نفذتها القيادة البعثية ؟

(أ) إن من المعلوم لكل من خدم في الجبهة (الجولان)، أن أكثر القطاعات احتمالاً أن تتعرض للهجوم المعادي، هما القطاعان واسط، والأوسط وذلك بسبب قرب المسافة ما بين القنيطرة والحدود في كل منهما..!

... ولقد كان قطاع واسط، أضعف قطاعات الجبهة تحصيناً وتدعيماً بالقوات، وذلك بسبب ضآلة المحاور الصالحة لحركة الآليات، ووعورة الأرض وعدم صلاحيتها لإجراء المناورة الهجومية (بالنسبة للعدو المهاجم).

وأما القطاع الأوسط، فلقد كان محور جهد الجبهة والجيش، وكان من أكثر القطاعات كثافة بالقوات والتحصينات، وأفضل القطاعات صلاحية لإجراء قتال دفاعي نموذجي (بالنسبة لنا)، يقدم العدو خلاله خسائر قد تفوق حدود التقديرات التي وضعت قبل إجراء أي قتال هناك..

(ب) ويأتي في الأهمية بعد هذين القطاعين، القطاعين الشمالي، ومحور جهده هو طريق بانياس ـ مسعدة، وقد قام الجيش لذلك بتركيز فعال للمواقع الدفاعية على هذا المحور، والمحاور الأخرى، الصالحة للتقدم ضمن القطاع، بالإضافة إلى الملاغم التي جهزت لتضع العدو في موقف هو غاية في السوء، لا يملك حياله إلا أن يتراجع، أو يخضع فترة طويلة لنيراننا حتى يمكن له إصلاح التخريبات ومعاودة التقدم. أضف إلى ذلك التركيز الشديد بحقول الألغام التي زرعت في كل ثغرة تصلح لتنفذ منها آليات العدو حتى بلغ عمق بعض حقول الألغام أكثر من مائتي متر، وعرضها أكثر من كيلومتر، ومثل هذه المقاييس تعتبر نادرة في حقول الألغام التي تزرع في أرض غير صحراوية.

(ج) ويأتي في النهاية، القطاع الجنوبي، وفيه محوران هامان، أولهما هو محور الكرسي ـ (تل ـ69) ـ سكوفيا ـ فيق العال. وثانيهما هو محور الحمة ـ كفر حارب ـ فيق العال.

ولو أن عدواً ما، حاول إجراء الهجوم ـ بقواه الرئيسية ـ على أي من هذين المحورين، لاعتبر مجنوناً أو أحمق أو جاهلاً، لأن أية قوات تحاول التقدم مستعملة أحد هذين المحورين أو كليهما، ستخضع لنيران من المدفعية ـ وحدها ـ كافية لتجعل من الأرض التي تقف عليها مقبرة لها، لأن المحورين المذكورين هما في غاية الوعورة والانحدار والتعرج، أضف إلى ذلك ما حضر عليهما من ملاغم وتخريبات، عدا المواقع الدفاعية الحصينة وحقول الألغام، ثم.. النيران المحضرة لكل وحدات المدفعية والهاون والطيران.

ورغم كل هذا، وبما أن العدو لا يملك إمكانية تحقيق الكثافة البشرية التي تمكنه من تغطية القطاعات كلها في الامتدادات الطويلة للجبهة، فلقد توقع القادة المتعاقبون الذين أشرفوا على رسم السياسة الدفاعية للجولان، توقعوا أن يركز العدو كل همه على تحقيق خرق خاطف في أحد القطاعات، ومن ثم ينطلق من قطاع الخرق هذا إلى عمليات التطويق، ليشل القدرات الدفاعية للوحدات المتمركزة في باقي القطاعات، ويمنع عنها طرق إمدادها بالنجدات والمؤن.

ولتلافي حدوث مثل ذلك.. فقد حسبت القيادات المتعاقبة حساب عمليات التطويق هذه فأقامت مجموعة من المواقع والتجمعات القتالية لتتحكم بالطرق التي سيركز العدو جهده للوصول إليها واستعمالها في عمليات الالتفاف والتطويق، لذلك نرى أن كثيراً من النقاط والتجمعات القتالية قد أقيمت لتسيطر على هذه الطرق وإحباط نوايا العدو.

ومن أهم هذه المواقع والتجمعات:

في القطاع الشمالي: حرش مسعدة ـ بقعاتا ـ القلع.

في قطاع واسط: تل شيبان.

في الأوسط: معسكرات كفر نفاخ ـ نقطة استناد العليقة الشمالية (على طريق حفر ـ العليقة)، معسكرات الخشنية وفيها تقيم كتيبة دبابات القطاع الأوسط التي كان لها واجب الدفاع عن الخشنية في حال عدم زجها في المعركة الدفاعية الأساسية.

في الجنوبي: معسكر الجوخدار حيث تقيم فيه كتيبة دبابات القطاع الجنوبي ومنه تنطلق لشن الهجمات المعاكسة في اتجاه القنيطرة، وفي اتجاه الخشنية.

وأما على الخط العرضاني الأقرب إلى الحدود، والواقع معظمه في منطقة الحيطة، فإننا سنجد سلسلة من المواقع الهامة واجبها الدفاع في كل الاتجاهات وإحباط محاولات التطويق أو الالتفاف التي قد يقوم بها العدو. ومن أهم هذه المواقع (من الشمال إلى الجنوب) قنعبة، حفر، في الشمال و217، علمين، تل المشنوق، تل 62، تل الأعور، في الأوسط. وـ69 في الجنوبي.

إذن.. نستطيع أن نقول أن القطاعين الهامين، اللذين (يجب إخلاؤهما من القوات المدافعة ليتمكن العدو من التقدم بحرية وراحة هما القطاع الشمالي، والقطاع الأوسط.

ونظراً لأن العدو، لا يمكن أن يعطي تفصيلات خطته لعملائه ـ مهما بلغوا من الأمانة له والحرص على خدمته ـ لذلك فقد أشار عليهم إخلاء هذين القطاعين، من القوات، فكان له ما أراد، وقامت القيادة البعثية بلعبتها الخطرة، فأخرجت القوات المدافعة عن أخطر مواقع القطاع الشمالي من مواقعها، وزجت بها في معركة هجومية صورية، أنهكتها، وخيبت ظنونها، فلما عادت لتحتل مواقعها، وجدت أن الخيانة قد صفت كل شيء، إذ هرب القادة، وانهزمت القوات، ودمرت مواقعها الدفاعية، فلم يبق شيء أمامها إلا الفرار أو التمزق[2].. وبذلك خلت المواقع الأمامية الحصينة في القطاع الشمالي من حماتها.. وقيل للعدو الإسرائيلي، أقبل فالأرض مفتوحة أمامك.

وأما في القطاع الأوسط.. فلكي تبلغ اللعبة القذرة غايتها، وتحقق أهدافها، اخترعت القيادة البعثية فكرة الهجوم على صفد، وأوكلت أمر تنفيذها إلى الألوية الاحتياطية الهزيلة، ثم بحجة ذلك الهجوم، سحبت القوات الأصيلة المرابطة للدفاع، من مواقعها التي تعرفها تماماً، وتتقن القتال فيها ـ بحكم التدريب والإقامة الطويلين ـ فكان إخلاء الأرض من حماتها بذلك الأسلوب المموه اللئيم، (أدق) عمل أدته القيادة البعثية، لخدمة أطماع الإسرائيلي.. التي لا تقف عند حد، وحتى وضع هذه القوات الاحتياطية في ذلك الموقف، لم يخل من دقة التآمر، وحرص على تنفيذ الجريمة بأكثر السبل ضمانة لبلوغها غايتها.

فبالإضافة إلى كل المساوئ التي كانت تشل فعالية تلك الألوية الاحتياطية، كانت هناك فكرة خبيثة وخفية في هذا العمل. وملخصها أن القيادة لو أحلت محل القوات المدافعة الأصيلة، قوات نظامية مدربة، فإن هذا يشكل خطراً على مخططاتها المشتركة مع العدو لتسليم الأرض الحصينة.. لأن القوات المدربة جيداً، والمتماسكة في بنيانها، تعرف تماماً أن من الطبيعي أن ينقلب الهجوم بين لحظة وأخرى، إلى دفاع، فيمكنها ـ بحكم التدريب والمعرفة المسبقة ـ أن تدير قتالاً دفاعياً ناجحاً، يرد كيد العدو إلى نحره، ويخرب مخططات القيادة البعثية في التآمر.. فلجأت إلى إحلال القوات الاحتياطية المتنافرة غير المدربة، في ذلك الموقف العصيب، لتضمن عجزها عن خوض قتال دفاعي جيد وفعال في وجه العدو، وبذلك ضمنت للغزاة إخلاء الأرض ومواقعها من كل طاقة ذات فعالية قد تعترض سبيلهم.

ويبقى في هذا الشرح، وضع قطاع واسط، الذي فيه أيضاً حصل الاختراق.

ولقد سبق أن قلنا إن هذا القطاع هو ـ من حيث التحصين ـ أضعف قطاعات الجبهة، ولكن وعورة الأرض، وقلة الطرق الصالحة لتقدم الآليات، كانت البديلة الأفضل لهذا الضعف، ورغم كل ذلك، فإن المقرر له أن يدافع عنه لواء بكامله مع كل أسلحة التعزيز.. فماذا فعلت القيادة البعثية بهذا القطاع ؟

أولاً: إن اللواء المقرر له أن يحتل قطاع واسط، ليدافع عنه لم ينقل إلى مكانه ذاك.. واكتفت القيادة بالقوات الضئيلة المستعارة من الحرس الوطني ومن القطاع الشمالي، لاحتلال نقاطه ومواقعه الدفاعية.

ثانياً: نرجح إنه كان في تقدير القوات الإسرائيلية والقيادة البعثية، أن هذا القطاع لن يصمد طويلاً، فلا يلبث أن تضعف مقاومته وينهار، وخاصة أن الطيران سينهك قواته قصفاً وإحراقاً، مع الضمانات الكلية بأن القيادة البعثية لن تفعل شيئاً لنجدته.. وهذا ما حصل فعلاً، منذ صباح الجمعة 9 حزيران.. فتم الاختراق فيه، وتقدمت القوات لاحتلاله متخذة تشكيلة الأنساق المتتابعة، خوفاً من بطولات تعترض سبيلها فتردها مدحورة مذمومة، رغم كل ضمانات حزب البعث، وأعماله التي كفلت لها تسليمها الجولان بدون قتال.

ونريد الآن أن نسأل: من أين هبطت فكرة الهجوم على القيادة البعثية، وهي تعلم أن جيشها ليس إلا مؤسسة بوليسية قادرة على قمع الشعب والهجوم على المقدسات والحرمات.. وليس لها أن تخوض أي قتال هجومي فعال داخل الأرض المحتلة ؟؟

لماذا قررت القيادة البعثية إجراء الهجوم.. مع أنها لم يكن في سياستها وسوقها أنها قادرة على ذلك ؟

إن الجيش السوري عشية حرب حزيران، كان في أسوأ حال عرفها منذ إعادة تشكيله عام 1955، ولم يك أحسن حالاً منه خلال أعوام الضعف التي سبقت ذلك العام، وكانت القيادة البعثية تعلم ذلك..

أفلا يكفي القيادة السورية البعثية، علماً بأحوال جيشها وعجزه عن خوض قتال ناجح ضد العدو الإسرائيلي، أن يعلن لها ـ منذراً ـ أحد كبار قادة الجيش السوري البعثي، اللواء فهد الشاعر، خلال محاكمته:

(إن جيشاً يشتغل في السياسة ثماني عشرة ساعة، ويأكل وينام خمس ساعات، ويتدرب في ساعة واحدة في اليوم.. إن هذا الجيش لن يرجى منه نفع ساعة المحنة) ؟

القيادة البعثية كانت تعلم أن جيش العدو متفوق على جيشها في مختلف المجالات، وخاصة في حقل الطيران، وهي تعلم أن طيرانها عاجز عن حماية البلاد حتى من سرب جراد، لأنها شردت الطيارين، وخزنت الطائرات في عنابرها.. خوفاً من أن يستخدمها طيارون غير بعثيين ضدها، فتفقد مواقع الحكم التي تدير منها التآمر والخيانة لتسليم الأرض إلى عدو لا تقف له أطماع عند حدود.!

فمن أين جاءتها فكرة الهجوم هذه.. رغم كل علمها بأنها عاجزة عن خوض أي هجوم ؟ هنا سؤال خطير.. ستكشف الأيام تباعاً، جوانب من الإجابة عنه، لأن من غير اليسير لنا كشفها كلها.. ونحن لا نملك الاطلاع على ما يدار ويحاك في دور السفارات والأقبية السرية.. ولكننا لابد من أن نشير إلى مسئولية الخبراء الروس.. في تلك الجريمة.

نحن نقول إن فكرة الهجوم ـ أصلاً ـ كانت مسرحية لتبرير سحب القوات المدافعة الأصيلة، وإخلاء طريق القوات الإسرائيلية من كل مقاومة فعالة.

ولكن.. لماذا أشار الخبراء الروس بوضع ألوية الاحتياط في مقدمة قوات الهجوم.. ذاك المزعوم ؟؟!

نحن لا نستطيع تبرئة الخبراء الروس من تلك الجريمة، لأنهم ليسوا حديثي عهد بالعمل في سورية، وقد مضت عليهم سنوات عشر، يعملون خلالها في الجيش، يدربونه، ويطلعون على كل ما يخصه، حتى أصبحوا على علم بأدق التفصيلات عن سلاحه، وعتاده، وتعداده، والتغيرات التي أصابته، ومستويات تدريبه والقدرات القتالية لوحداته.

وماداموا يعلمون كل تلك التفاصيل، أكثر من كثير من ضباط الجيش، وماداموا يعلمون أن مستوى الوحدات الاحتياطية لا يؤهلها لخوض هجوم فعال ضد دفاع محصن.. فكيف لهم أن يشيروا بوضع هذه الوحدات في المقدمة بحجة أن من الأفضل ترك الوحدات النظامية للعمل في داخل إسرائيل، فتكون مرتاحة متماسكة.. ويمكن عندها لها أن تحقق استغلال الفوز ؟؟!

إن الخبراء الروس الذين دربوا جيشنا.. ليسوا أطفالاً أو حديثي عهد بالخدمة العسكرية. إن أقل رتبة فيها كانت رتبة العقيد.. وإن أقل واحد منهم، كان له اشتراك في الحرب العالمية الثانية عدا مئات المناورات التي خاضها في جيشه اشتراكاً مع جيوش الدول الشيوعية الأخرى.. وهؤلاء لهم من الخبرة والعلم العسكري ما جعلهم أهلاً لتدريب جيش ناشئ كجيشنا.. وهم يعلمون أن جميع جيوش الأرض تضع أقوى وحداتها، وخيرة سلاحها وعتادها، في الهجوم الرئيسي، لتوجيه الضربة الأولى والرئيسية، التي إن تمت بنجاح، ستزلزل دفاع عدوها، وتمهد لتشريد قواه ثم تدميرها.

جميع جيوش العالم.. تزج بخيرة قواها لتحقيق الفوز منذ الضربة الأولى.. فكيف أشار أو قبل الخبراء الروس الذي يعلمون ذلك أن تزج القيادة السورية بقوات قليلة التماسك وهزيلة التدريب.. والمعبأة أسوأ تعبئة عرفها تاريخ جيش ـ ما ـ في مواجهة دفاع حصين متماسك متين.. بحجة ترك الوحدات العاملة، مرتاحة لتتابع التوغل في عمق ـ دفاعات العدو ؟؟

إننا لم نجد تفسيراً لهذا العمل، سوى التواطؤ.. إما لصالح إسرائيل مباشرة وهذا ما لا نملك إثباته فيكفينا إننا ننبه إليه.. وإما التواطؤ المأمورين به من قياداتهم، لترك الألوية (البعثية الاشتراكية)، سليمة لحماية الخط اليساري الثوري، من أية تحركات شعبية عارمة ضده، وخاصة في تلك الساعات التي برز خلالها جبن وضعف وتواطؤ الجيش البعثي ـ ومن ورائه حزبه وأجهزته الحاكمة ـ تجاه العدو الإسرائيلي، وخطره الآتي عبر الحدود.

وإن الذي يؤكد ما ذهبنا إليه هنا ـ هو ما رأيناه من إصرار وسرعة مذهلة، قامت بها دولتهم ـ الاتحاد السوفييتي ـ في تعويض ما خسرت الدول الثورية العربية خلال مسرحية حزيران، وخاصة في حقل الطيران، بسبب فعاليته في شل أية تحركات قد تقوم بها الشعوب المنكوبة لإزالة الذين صنعوا لها النكبة.. بينما بقيت دولة من الدول المنكوبة ـ غير اليسارية ـ تعاني حتى اليوم من النقص الخطير الذي لحق بقواتها عقب النكبة.. ذلك لأنه ليس في مصلحة روسيا نجدة هذه الدولة غير الثورية..!


[1] - عقب معركة تل النيرب التي جرت بين القوات السورية والقوات الإسرائيلية في ليلة 16 ـ 17/3/1962، رفعت تقريراً مفصلاً إلى القيادة العامة، شعبة المخابرات، وأوضحت فيه نتائج المعركة، والخسائر التي مني بها العدو، ثم ذيلت التقرير باقتراح مؤداه أن نجر العدو إلى مجزرة أخرى ننفذها فيه على أرضنا، وفي منطقة البطيحة بالذات، وذلك بافتعال سلسلة من التحرشات الصغيرة، تجعل العدو يقدم على عمل انتقامي كبير ضد قواتنا، يهدف فيه إلى إزالة عار تل النيرب الذي لحق بقواته، ورفع معنويات سكانه وخاصة في المنطقة الشمالية من فلسطين المحتلة.

    ويتابع الاقتراح قوله: (إن من واجب القوات السورية أن تكون مستعدة لذلك الهجوم الذي سنجره إليه، واقترحت لذلك إخفاء وحدات من الدبابات والقوات الراكبة في وديان منطقة البطيحة، استعداداً لساعة دخول قوات العدو في الهجوم ـ الذي ستجره إليه في تلك المنطقة ـ ومتى حدث ذلك، تقوم القوات السورية بتطويق تلك القوات والفتك بها، بعد أن تعزلها نيران المدفعية في خطوط انسحابها أو نجدتها، وبذلك تكون مجزرة للعدو جديدة، تتحطم فيها معنوياته، وتكلفه ضحايا كبيرة جداً، وتظهره أمام العالم بأنه المعتدي ـ لأن الهجوم يجب أن بتم على أرضنا ـ وبذلك نكسب ضده معركة دعائية جديدة، نشوه سمعته، وتكسبنا احترام الأشقاء العرب، وباقي شعوب العالم.

  ذهب هذا الاقتراح، وغاب أسبوعاً واحداً، ثم أعيد إلي، مع كتاب وقعه رئيس شعبة المخابرات ـ آنذاك ـ العقيد أ.ح محمد منصور، فيه يقول:

(يطلب إليكم الكف عن مثل هذه الاقتراحات، ونحيطكم علماً أن سياسة الدولة لا تبيح القيام بمثل هذه الأعمال). هذا، وسنطلع القارئ على تفاصيل من هذا النوع، وأكثر خطورة.. في كتاب قادم إن شاء الله.

[2] - ولكنها صمدت رغم كل ذلك، وظهرت فيها بطولات حيرت الأعداء.

يتبع

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ