العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 23 / 05 / 2004

 


الجولان ينادينا ـ 13 ـ

تابع .. المؤامرة يوم التنفيذ

تصويب وشرح:

(أ) إن أول ما يجب لفت النظر إليه وتصويبه، هو أن (التل) الذي يتحدث عنه الضابط اللبناني، ليس (تل القاضي)، لأن هذا التل هو بيد السلطات الإسرائيلية، ويقع ضمن الأرض المحتلة منذ عام 1949، ويشرف على مستعمرة دان، وعليه نفسه تقوم إحدى المستعمرات، ومن سفحه الجنوبي الغربي، تنبع مجموعة ينابيع تشكل نهر (اللداني) وهو أكبر الروافد الرئيسية التي تشكل في مجموعها نهر الأردن ويبلغ تصريفه السنوي من المياه 258 مليون م3.

ولكن التل المقصود حقيقة في رواية الضابط اللبناني، هو ما يلي:

أولاً: هضبة المغاوير، وهي هضبة ذات جرف صخري وعر جداً، ولم يكن في تقدير أية قيادة احتمال اخترقاها من قبل الآليات المعادية، ورغم ذلك ، فقد زرع فيها حقل ألغام استراتيجي مختلط (مضاد للأشخاص ومضاد للآليات، وبعض ألغامه مفخخة).

وثانياً: تل العزيزات، وهو من أمنع وأحصن المواقع الدفاعية السورية طبيعة وإعداداً، ولكن القيادة البعثية أخلته من قواته لتشترك مع وحدات أخرى في الهجوم (التمثيلية) على شرياشوف[1].

(ب) يقول الضابط اللبناني أن الطائرات الإسرائيلية كانت تغير على المواقع السورية في تشكيلات مؤلفة من أسراب يضم كل سرب أربع طائرات. والصواب أن تشكيلة الأربع طائرات تسمى (رفاً) وليس سرباً، ويضم السرب عدداً من (الرفوف) يتراوح بين (3 ـ 5).

(ج) ليس غريباً أن تلجأ القوات الإسرائيلية إلى القيام بأعمال وحركات غير مألوفة في القتال الكلاسيكي، ومن ابرز الأعمال (غير المألوفة) في قتال القوات الإسرائيلية ضدنا، رحلتها صباح 5 حزيران لضرب الطيران المصري، فقد تميزت هذه الرحلة بأمور عديدة أهمها:

أولاً: انطلاق الطائرات من على الأوتوستراد وليس من على مهابط المطارات.

ثانياً: قطع الرحلة كلها تقريباً على ارتفاع منخفض، وعلى سطح البحر، تفادياً لخطر كشف أمرها من قبل أجهزة الرادار.

ثالثاً: تجاوز الطائرات الإسرائيلية حدود مصر، نحو الغرب، ثم انكفاؤها لتهاجم الطائرات الجاثمة على أرض المطارات مثل مجموعات الأوز السمين.

وقد اعترف بهذا الرئيس جمال عبد الناصر نفسه في خطابه التاريخي يوم الجمعة 9 حزيران، فقال: (كنا نتوقع مجيء الطائرات من الشرق، فجاءتنا من الغرب).

والعدو يهدف في عمله الذي قام فيه بقصف هضبة المغاوير (الخالية من القوات) إلى أمور هامة جداً:

أولاً: إيهام المراقبين السوريين بجهله وخطأ معلوماته عن قواتنا ومواقعنا حين يرى الرصاد والقادة، أن القصف مركز على أرض خلو من القوات والتحصينات.

ثانياً: إحداث المفاجأة وهو يعتمد كثيراً على مبدأ المفاجأة في عملياته.

ثالثاً: إيقاع القادة السوريين في حيرة مما يرون، والحيرة هذه كفيلة مع ما يرافق العملية من قصف ونيران شديدة مركز، بشل تفكير القادة فترة من الزمن، تجعلهم عاجزين عن اتخاذ قرار معين حاسم، ويفيد هو من هذه الحيرة فيعمل بحرية على تحقيق خطته.

رابعاً: تفادي خطر الصدام مع الأسلحة المضادة للآليات، فيما لو هاجم في اتجاه مواقع مشغولة بالقوات، وخاصة أن المواقع الأمامية ـ مثل تل العزيزات ـ مزودة بأسلحة فعالة، من بينها بعض دبابات البانزر، وهي ذات مدفع يتمتع بفاعلية هائلة ضد الدبابات.

ولكن.. ما حيلة هذه الأمة المنكوبة بقيادة من أمثال ـ الضابط السوري القابع في برج المراقبة المشترك ـ جهلة وعديمي الخبرة، إن لم نقل إن من بينهم خونه من أمثال أحمد المير، وسويداني وباقي السلسلة من الحزبيين ؟!

(د) سبق للقوات الإسرائيلية أن استخدمت الجرافات (البلدوزر) في عملياتها ضد قواتنا، وكان من أبرز الوقائع التي قدم فيها العدو مثل هذه الجرافات (معركة تل النيرب عام 1962)، ولكن ما حيلتنا مع جيش غر، سرح حزب البعث جميع قادته وضباطه القدامى المخلصين، أصحاب التجارب والخبرات، والمعرفة الدقيقة بأساليب قتال العدو، تمهيداً ليوم هزيمة متفق عليها.. ؟!

(هـ) لم يكن في المنطقة المقصودة من شرح الضابط اللبناني، لواء مدرع، لأن طبيعة الأرض لا تتسع لقتال لواء مدرع ـ مع القوات الأخرى ولكن لعل الدبابات المعنية، والتي قامت بالانسحاب في لحظة الحاجة إليها هي إحدى كتائب الدبابات التي ألحقتها قيادة حزب البعث على القطاع الشمالي أو هي كتيبته الأصلية..؟ وفي أية حالة، ينكشف لنا هنا موقف من أخطر مواقف الخيانة التي ارتكبها القادة البعثيون، إذ انهزموا مع دباباتهم ـ من وجه القوات الغازية، متحركين باتجاه دمشق، بغية (حماية الثورة) كما أعلن قادتها، المقدم (رئيف علواني).

وفي هذا.. يكمن تفسير التساؤل الذي يطلقه الضابط اللبناني الذي يشرح المعركة.. فالدبابات والأسلحة الفعالة في جيوش الدولة الثورية هي لحماية (المكاسب الاشتراكية، ومسيرة الثورات في صراع الطبقات) وليس للاستخدام في وجه قوات الغزو الإسرائيلية، أو لحماية حدود البلاد وترابها الكريم من أن تدنسه أقدام الغزاة.

وهذا ليس من عندياتنا.. وإنما هو سياسية الاتحاد السوفياتي الذي يزود الدول الثورية بهذه الأسلحة، وسياسة هذه الدول نفسها.

لنقرأ معاً، ونتمعن:

(... ونحن واثقون من صدق التأكيدات السوفييتية الرسمية لحكومة إسرائيل التي تقول بأنه ليس في علاقات الاتحاد السوفييتي مع مصر، أو غيرها من الدول العربية الأخرى في مسألة بيع السلاح وتقديم القروض المالية والتعاون العقائدي ما يؤذي إسرائيل في المرحلة النهائية...)[2].

(... نحن مستعدون لحظر السلاح عن المنطقة العربية، لكن حركات التحرر اليسارية في العالم العربي، تحتاج إلى السلاح لتكافح الرجعية العربية، وتقضي عليها وعلى من يساعدها من قوى الاستعمار).

(وأن القضاء على الرجعية العربية سيزيل خطر العدوان العربي على إسرائيل)[3].

(م) ورواية أخرى، أتت على وصف موجز لسقوط الجولان، نشرتها صحيفة النهار، في عدد خاص بالحرب اسمه (النكسة)، لا بد لنا من ذكرها في هذا الكتاب، وإعطائها ما تستحق من شرح أو تعليق أو تصحيح[4].

تقول النهار:

(... لم تبدأ سورية الحرب إلا صباح 6/6/1967، رغم أن سورية هي سبب الحرب، وهي الداعية إليها).

(... الهجمات السورية اقتصرت على (دان، تل دان، شرياشوف)[5]، ولم تخرج القوات الإسرائيلية للرد بسبب انشغالها بالقتال على باقي الجبهات).

(... وتلخص خطة الهجوم السورية، كما يلي:

1ـ جعل الهجوم على مستعمرة مشمارهايردين[6] هدفاً رئيسياً تنتقل منه وحدة سورية إلى ضرب حيفا في الغرب بينما تتمكن وحدة أخرى من التوغل باتجاه الناصرة.

2ـ التقدم نحو تل القصر[7] في الطرف الجنوبي من بحيرة طبريا عن طريق وادي الأردن ثم الالتفاف إلى الجهة الشمالية الشرقية نحو العفولة.

3ـ دخول الأراضي اللبنانية ومهاجمة المواقع الإسرائيلية منها...)

(... ولم يدخل الإسرائيليون المعارك الفعلية ضد سورية إلا يوم الخميس 8 ـ6 حيث تفرغوا لجبهتها، ورغم أن السوريين كانوا يتعرضون لغارات جوية مستمرة، وأن طائراتهم تغير على مدينة ناتانيا الساحلية والمدن الإسرائيلية الأخرى، وأن مدافعهم المضادة أسقطت عدداً كبيراً من الطائرات الإسرائيلية، رغم هذا كله لا يمكن الحديث عن معارك فعلية قبل يوم الخميس.

ويصف قائد الطيران الإسرائيلي، الهجوم على المواقع السورية بقوله: (استعملنا مع سورية قنابل موقوتة[8] بحيث تنفجر مباشرة فوق قواعد المدفعية المضادة للطائرات).

(... وحفلت الحرب بكثير من الأخبار المضللة، ففيما الطائرات الإسرائيلية تغير على الجبهة السورية وتلقي فوقها قنابل النابالم المحرقة، كانت القوات الإسرائيلية تستمع عبر الترانزيستور إلى أنباء القصف السورية للمستعمرات..)

(... ويقال أن سورية وضعت في الجبهة 3 ألوية عادية (11،8،19)[9]، كما وضعت في المؤخرة لواءي مشاة: (التسعين إلى شمالي القنيطرة، واللواء الثاني والثلاثين إلى الجنوب منها. ومع كل منها فرقة دبابات ت 34، وس يو 100، إلى جانب حوالي 30 دبابة عادية...[10]).

(... وعند ظهر الجمعة، شن الإسرائيليون هجوماً شاملاً على المواقع السورية فوق كفر زولد[11]، وهي أضعف النقاط في الجبهة السورية المنيعة التحصين، وأرسلت وحدة أيضاً إلى عين فيت والزورة[12] وسارت الجرارات في المقدمة فاتحة طريقاً للمدرعات والآليات عبر المرتفعات.

وفجأة وجدت نفسها عرضة لنيران مدافع المدرعات السورية، التي كانت جاثمة في الخنادق لا يظهر منها غير المدافع[13]، وقد ألحقت بالقوات الإسرائيلية خسائر جسيمة اضطرتها إلى الانحدار حيث كانت.

وكرر القائد الإسرائيلي المحاولة على غير طائل، عندئذ، لم يجد مخرجاً للخطة غير تعطيل مدفعية الدبابات فأرسل وحدة من رجاله تسلقت المرتفعات، وألقت قنابل يدوية داخل الدبابات، فقتلت من فيها[14]، وبعد ما أمن خطر الدبابات ومدافعها، أمر (لعازر)[15] الجرارات باستئناف فتح الطريق، تحت النار السورية المعقولة، ثم وجه فرقة مشاة إلى منطقة تل العزيزيات حيث دارت معارك بالسلاح الأبيض: بالقبضات والسكاكين والأسنان وأعقاب البنادق، واستمرت هذه حتى سقطت المواقع في تلك الناحية[16].

وبدل أن تقصف المدفعية السورية، القوات الإسرائيلية المهاجمة، تابعت ضرب المستعمرات وإضرام النار فيها[17].

وليل الجمعة ، توغل الإسرائيليون داخل الأراضي السورية في الجنوب، ووصلوا إلى راوية (قطاع واسط)، تدعيماً لتقدمهم، وفي خلال الليل، جمع لعازر قواته، ولما طلع الصباح، طلب تغطية جوية لتنفيذ المرحلة الثانية من الخطة، أي السير نحو القنيطرة، بعدما نفذت المرحلة الأولى بتسلق المرتفعات واحتلالها.

وعند الفجر، دخلت وحدة مدرعة إسرائيلية جديدة المعركة، فأخذت طريق تل تمرا[18]، داعمة فرقة الجولان لاحتلال مدينة بانياس[19].

والساعة الأولى من بعد ظهر السبت، طوقت القوات الإسرائيلية مدنية القنيطرة، فقاومهم سكانها[20]، وظلوا حتى سقوط المدينة، الساعة الثانية والنصف (بعد ساعة ونصف الساعة).

وسلم من القوات السورية على الجبهة ما يقارب لواءين، واحد مدرع وآخر آلي، انسحبا إلى دمشق من أجل تعزيز الدفاع عنها.

وقالت السلطات الإسرائيلية، إنها فقدت في الجبهة مع سورية (115) قتيلاً، وأصيب 306 بجراح. وصباح السبت الباكر، دخلت الأراضي السورية وحدات من المشاة الإسرائيليين، بقيادة الجنرال (ألاد بليد)، من الطرف الجنوبي لبحيرة طبريا، متسلقة مرتفعات التوافيق، كما دخلت وحدة مدرعة عبر وادي اليرموك[21]، بينما حلقت طائرات هليكوبتر فوق منطقة الجبهة، وأنزلت مظليين قاموا بمهاجمة السوريين من الخلف[22]، وقطعوا عليهم خطوط التموين.

ثم دخلت وحدة عن طريق ديرباشية[23]، والتقت رجال بليد في البطمية[24].



[1] - انظر فصل (نقاش الإثبات).

[2] - صحيفة الهامشمار الناطقة بلسان حزب (ماباي)، 7 تشرين الأول 1964. (كتاب المسلمون والحرب الرابعة).

[3] - من محاضرة ألقاها المستشار الأول للسفارة السوفييتية في تل أبيب على طلبة الجامعة العبرية نشرتها صحيفة (هاآرتس) الإسرائيلية، 4 شباط 1965. (عن كتاب المسلمون والحرب الرابعة ـ ص 105).

[4] - الرواية هذه، هي ـ كما قالت النهارـ خلاصة ما نشرت وسائل النشر في العالم الغربي، عن النكسة، ويبدو أن قسماً كبيراً من هذا الوصف، جاء من كتاب: (حرب الأيام الستة) لـ (راندولف تشرشل)، كما أن النهار تقول بأن هذا لوصف مستمد من صحف غربية مختلفة.

[5] - مستعمرات إسرائيلية ثلاث تقع في مواجهة القطاع الشمالي (مقابل بانياس وتل العزيزات) وتشكل هذه المستعمرات الثلاث رؤوس مثلث قائم الزاوية، قاعدته 1 كم، وارتفاعه 2 كم تقريباً. وتل دان يقصد به (تل القاضي).

[6]- هي مستعمرة كعوش، في مواجهة القطاع الأوسط، وبالقرب من جسر بنات يعقوب وعلى طريق جسر بنات يعقوب ـ صفد ولا تبعد عن نهر الأردن أكثر من 500 متر، وتعتبر من المستعمرات المحصنة جيداً.

[7] - جنوب بحيرة طبريا بالقرب من سمخ وهي من أحصن المواقع الدفاعية الإسرائيلية على الخط الأول لتحصينات العدو في مواجهة الجبهة السورية.

[8] - هذا النوع من القنابل، يسمى في الجيش السوري: (قنابل المنشار)، وهو من أشد أنواع القنابل قعالية ضد الأشخاص، وضعيف الفعالية ضد العتاد، وتنفجر القنبلة منه على ارتفاع معين فوق الهدف، فتتناثر شظاياها على شكل مخروط قاعدته إلى الأسفل، ويستعمل ضد مرابض المدفعية (بأنواعها المختلف)، وضد تجمعات المشاة الكبيرة.

[9] - هذه التسميات، أعطيت للألوية (6،15،2) التي كانت تحتل القطاعات الثلاثة (الشمالي، الأوسط، الجنوبي)، وذلك بعد أن غيرت قيادة الجيش تلك التسميات، عقب حركة الثامن من آذار 1963. وأرجو ملاحظة هذه الناحية جيداً في تسميات الوحدات التي استعملتها أنا في هذا الكتاب، إذ أن تسميات الوحدات التي كانت لها قبل حركة آذار المذكورة.

[10] - اللواء التسعين المذكور هنا هو لواء احتياطي، واسمه يوم الحرب (اللواء 123) وهو الذي كلف بالهجوم من القطاع الشمالي، وكانت قيادته في عين الحمراء شمال غرب القنيطرة وأما فرق الدبابات التي يتحدث عنها الوصف، فهي في الحقيقة كتائب وليست فرقاً، لأن الفرقة تشكيل كبير جداً وأكبر من اللواء، ولا يمكن للواء مشاة أن يلحق به فرق دبابات.

     وأما الـ (س يو 100) فهي من خيرة الدبابات، وهي في الحقيقة قانصات الدبابات وذات تسليح فعال جداً، وذات قدرة حركية تتمتع بمرونة عالية ورمزها الأجنبي هو SU 100 . وأخيراً، المقصود بـ (حوالي 30 دبابة عادية..)، تشكيل خاص من الدبابات كل يقوده الرائد رئيف علواني، وقد كلف مهمة خاصة، وهي التمركز من خلف الألوية الاحتياطية، ومراقبتها والتصدي لها فيما إذا حاولت كلها أو أجزاء منها، القيام بحركة تمرد أو عصيان، ضد القيادة البعثية، وهذا يكشف لنا جانباً من أخطر جوانب حياة الحزب مع الشعب، ويعكس لنا الرعب الذي يملك على الحزب حياته، ويوحي له بكل تصرفاته، خوفاً من النقمة التي تغلي في صدور أبناء الشعب من كل الفئات والطبقات.

   ويجدر أن نذكر أن هذه الكتائب ومجموعات الدبابات، لم تقاتل، وإنما هربت إلى دمشق مع اللواء السبعين لحماية الثورة وذلك منذ بداية القتال الحقيقي مع قوات الغزو الإسرائيلي.

[11] - هي مستعمرة كفر سلط في مواجهة محلفر العقدة.

[12] - المقصود بها زعورة.

[13]- هي دبابات البارنز (الوضع) ويقوم بخدمتها عناصر الحرس الوطتي وهم من أبناء المنطقة ومن الفلسطينيين المقيمين في الجولان.

[14] - وصف شاعري خيالي، في محاولة فجة من القادة الإسرائيليين أو الصحفيين الأجانب الذين كتبوا هذا الكلام، لإبراز (شجاعة) القوات الإسرائيلية من خلال الاعتراف بصمود القوات السورية.

    ولكن الحقيقة، أن هذا يستحيل أن يحدث بسهولة في تلك المواقع، نظراً لما نعرفه من مناعة تحصينها، وبطولة الرجال الذين صمدوا فيها، وإني أؤكد أن ذلك لم يحدث للأسباب الآتية:

    (أ) ما دامت المقاومة الضارية انبعثت من الدبابات السورية الموجودة في الخنادق، فذلك معناه أن عناصر الدفاع في تلك الخنادق، مازالوا في أماكنهم صامدين.

    (ب) ومن المستحيل أن تتمكن قوة مهاجمة من المشاة، من الوصول إلى الدبابات قبل أن تشتبك مع عناصر المشاة المتمركزين حول الدبابات في الخنادق، وتقوم بالقضاء عليهم جميعاً.

   (ج) والذي تؤكد الروايات الإسرائيلية، أن النار السورية قد استمرت، ولكنها كانت (معقولة) وذلك بعد إسكات مدافع الدبابات، ومادامت النار السورية قد استمرت فذلك معناه أن عناصر المقاومة لم يتم القضاء عليهم جميعاً، فكيف استطاع (شجعان) لعازر من الوصول إلى الدبابات ؟

   (د) ومن الطبيعي أيضاً أن الدبابات حين تقاتل (غالباً)، تكون أبراجها مغلقة، فكيف استطاع جنود هذا (اللعازار) أن يفتحوا أبراج الدبابات، ويلقوا قنابلهم اليدوية داخل الدبابات ؟

   (هـ) ومن الطبيعي أيضاً، أن عناصر الدبابات أنفسهم، حين يشعرون أن جنود العدو قد أصبحوا بينهم، أن يتركوا دباباتهم، ويخرجوا للالتحام مع جند العدو، أو يتحركوا بدباباتهم لتغيير مواقعها بعيداً عن الجنود المقتحمين ثم معاودة الاشتباك، ومعروف أن سرعة حركة الدبابات أكبر من سرعة حركة المشاة، فكيف استطاع (اللعازاريون) أن يقضوا على الدبابات (بالقنابل اليدوية) ؟

   (و) وأخيراً أن الدبابة ليست مجهزة بمدفع فقط.. وإنما هي مجهزة أيضاً بأكثر من رشاش واحد للدفاع ضد الطائرات، والآخر ضد المشاة، وفي حال الالتحام مع العدو يتحول الرشاشات إلى القتال ضد المشاة، =فهل كان جنود (لعازر الذكي) من الكثرة بحيث لم تعد رشاشات الدبابات وباقي القوات قادرة على حصدهم جميعاً، حتى تمكنوا من الوصول إلى الدبابات والقضاء عليها بقنابلهم (اليدوية الجيمسبوندية) ؟

   إن كان هذا قد حصل، فيا فخراً لأولئك الجنود الأبطال، الذين صمدوا في أرضهم، وخلف مدافعهم ورشاشاتهم، حتى ماتوا شهداء أبراراً، ويا فخراً لأمة قادرة أن تنجب مثل أولئك الرجال.. عناصر الحرس الوطني، الذي كانوا كلهم من أبناء الجولان، ومن أحبائنا الفلسطينيين الذين تطوعوا في الحرس الوطني، واستبسلوا في الدفاع عن تلك المواقع.

   وإن كان ذاك لم يحصل، فيا عجباً لكتابنا، وخاصة العسكريين، كيف لا يتصدون للرد على أضاليل وغطرسات الضباط (اللعازاريين) وأذنابهم من رجال الصحافة والفكر الغربيين أمثال (ابن تشرشل العظيم)؟

[15] - لعازر هذا، هو الجنرال دافيد لعازر قائد القوات التي هاجمت القطاع الشمالي.

[16] - إذن فقد صمد عناصر تل العزيزيات وإن لهذا التل في قلوب الإسرائيليين أكثر من ذكرى مريرة، ويشكل عندهم عقدة في نفوسهم وقلوبهم، هي أكبر من حجمه.. وذلك منذ حرب عام 1948، حيث أبيدت قوات كبيرة منهم، في أكثر من محاولة لاحتلاله، ولكنهم عادوا أذلاء خاسرين، واستمروا عشرين عاماً ينظرون إليه، ويحسون به كأنه شوكة في عيونهم، حتى أتيح لهم أن يحتلوه، وإني أتوقع أن يكونوا الآن قد أزالوه على وجه الأرض بجراراتهم وآلياتهم الكثيرة، وذلك ليزيلوا ذكراه المريرة من نفوسهم الحاقدة حتى على ترابه.

[17] - إن هذا لغريب جداً أن يصدر من المدفعية السورية، وهو إن كان قد حصل، فهو يعزز الرأي القائل، إن جيش سورية في عهد الحزب كان غير مؤهل لخوض الحرب، فكيف يمكن لمعلمي المدارس، أن يديروا قتال المدفعية، وهو من أصعب أنواع القتال وأدقها، وأكثرها اعتماداً على الاختصاص والمراقبة، وإتقان الرياضيات، وخاصة جداول اللوغاريتم، ودقة حساب الزوايا والأبعاد ؟ =

= إن مثل هذا الخطأ الكبير، يعزز رأينا في أن الضباط والقادة (وأكثرهم بعثيون)، قد هربوا عند بداية الاشتباك الحقيقي، وبقيت الأسلحة والمدافع، بأيدي الجنود وضباط الصف وهؤلاء لا يمكن أن يكونوا قادرين على قيادة قتال المدفعية وإجراء المناورة الناجحة بنيرانها فلم يبق أمامهم إلا أن يفرغوا كل غضبهم، في الرمي حسب عناصر الرمي الموضوعة مسبقاً على المدافع، والتي افتقدت الرصد المدفعي، وضباط إدارة النيران، وهذان النوعان من الضباط هما القادران على تحويل النار حيث يجب أن تحول، وتوجيهها إلى القوات المعادية لتدميرها وإيقاف زحفها. وليس لدينا مثال قادر على إبراز هذه الناحية الخطرة، أوضح من مثال الضابط السوري الذي كان في برج المراقبة المشترك مع الحدود اللبنانية السورية، والذي أتت على وصفه برواية الضابط اللبناني التي نشرتها مجلة الحوادث، وتعرضنا لشرحها وتوضيحها في الصفحات السابقة.

[18] - اسم غريب، لا نعرفه لأي هيئة طبيعية في أرض القطاع الشمالي ـ وأنا أعتقد أن هناك خطأ في التسمية، ولعل المقصود به هو (تل الأحمر) الواقع أمام بانياس وعلى طريق: بانياس ـ مرجعيون، وهذا يؤكد ما سبق أن ذكرناه من أن الملاغم لم تنسف، وإلا فإن هذه القوات، ما كان لها أن تسلك هذه الطريق لو أن الملاغم نسفت.

[19] - إن هذا يؤكد لنا اشتراك اللواء الإسرائيلي الأول (غولاني) مع كتيبة الأقليات، كرأس حربة في الهجوم على الجولان، نظراً لأن هاتين الوحدتين، هما الوحيدتان في جيش إسرائيل، اللتان يشكل الخونة من العرب المتطوعين في جيش العدو، الملاك الأكبر لهما، وخاصة في مستوى الجنود وضباط الصف، أما ضباط هاتين الوحدتين، فغن معظمهم من الإسرائيليين.

[20] - إذن.. فإن الذين قاوموا واستبسلوا، هم السكان، أما الجيش.. ؟

[21] - ليس لها طريق إلا طريق الحمة، وإن كان هذا قد حصل فعلاً، فذلك معناه أن القوات لم تجرؤ على دخول الأراضي السورية من هذا الاتجاه إلا بعد التأكد من خلو الجبهة من القوات، لأنها لو كانت قد بقيت فيها قوات تقاتل فإن أبسط وحدة دافعة في هذه المنطقة قادرة على إحداث مجزرة رهيبة في القوات الإسرائيلية دون أن تصاب بأي أذى، بسبب شدة انحدار ووعورة الأرض، ولأن القوات (حتى المشاة منها)لا يمكن أن تتحرك في هذه المنطقة إلا على الطريق، والطريق وحده، يشكل عقبة رهيبة في وجه أية قوة تتحرك عليه، كما أن ذاك يعزز قولنا بأن الملاغم لم تنسف، وإلا فإنها لو نسفت لما استطاع أحد من جنود العدو متابعة التقدم في تلك المنطقة إلا بعد فترة طويلة جداً، وجهود جبارة يحتاجها العمل لإعادة إصلاح الطريق المنسوف.

[22] - لم تثبت صحة هذا الادعاء، وأن الذي ثبت هو أن طائرات الهيلوكوبتر قد ألحقت سدنة الدبابات بوحداتهم قبل دخولها القنيطرة.

[23] - المقصود بها هي: الدرباشية في قطاع واسط، وهي من أقوى مواقع دفاع الجبهة، ويدافع عنها الحرس الوطني.

[24] - جريدة النهار البيروتية، عدد خاص صدر باسم (النكسة) ميلاد 1967 ورأس السنة 1968.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ