العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 22 / 05 / 2005

 


الجولان ينادينا ـ 41 ـ

ـ 6 ـ

والفدائيون..

(ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله، وكان الله غفوراً رحيماً).  (سورة النساء 100)

ومنذ أمسكت القلم، موطداً العزم على كتابة هذا الكتاب.. لم أشعر لحظة بالتهيب يلف كل كياني.. مثلما  أحسست به وأنا مقدم على مخاطبة الرجال.

وذلك حق ومنطقي، لأن توجيه الكلام إلى أهل الفداء.. ورجال البطولة.. ليس كالتحدث لغيرهم.. من عاديي الناس.

إنك حين تقف لمخاطبة واحد من هؤلاء.. تشعر بأنك أمام طراز آخر من الرجال.. نموذج غريب على مجتمعاتنا الممسوخة.. إنسان يواجه الموت كل لحظة من لحظات عمره القصير.. رجل تسامى فوق ارتباطات العائلة والصداقات.. فوق عواطف الأبناء والآباء.. وفوق كل نداء يشده إلى الحياة..

واتجه بكل كيانه نحو ما هو أسمى من الحياة.. وما في سبيل تحقيقه تهون وترخص الحياة.. جهاداً في الله تعالى وإعلاء كلمته.. وإحقاقاً لحق.. وإبطالاً لباطل الأعداء الغزاة.. سالكاً لذلك أوعر الطرق.. وأشدها اكتنافاً بخطر الموت.. أو التشويه.. أو الاعتقال.. مصمماً على طردهم وتصفية باطلهم مهما امتدت به الأيام.

إن مثل هذا الشعور بالهيبة.. المليئة إعجاباً وفخراً.. ليلمس كيانك كله.. وأنت أمام واحد منهم.. فتحس عجزك.. وتجرع الحسرة المريرة.. لأنك لا تستطيع أن تكون مثله.. فإنك لك (أولاد.. وعائلة).

فكيف بك إن جربت أن تخاطبهم جميعاً.. وأنت تشعر أن عيونهم كلها عليك.. يستغربون منك الثرثرة.. وتحس طيف الابتسام على أفواههم.. إشفاقاً على ضعفك.. وسخرية من عجزك ؟

ورغم كل ذلك.. فسأتحدث إليهم.. لعل في ذاك ما يريح النفس ـ على الأقل ـ ولعل الله ينفع بما أقول.

أيها الرجال.. ويطيب لي أن أخاطبكم دوماً بالرجال.. لأن الرجال في دنيانا اليوم قليل. لقد تقدمتم مختارين.. لأصعب مهمة.. وأسمى واجب وأشق عمل.

ولقد أخذتم على عاتقكم العبء بكل ثقله وغرمه.. دونما مطمع بمغنم أ, أو أو ننننن

أو انتصار سريع.. وهذا لعمري.. هو فوق البطولة.. وقمة نكران الذات.

ولست أجد في كل ما أعرف، أفضل ولا أكرم من تذكيركم بمقام أناس سبقوكم وكانوا في مثل ما أنتم فيه الآن، فنزلت بحقهم الآية الشريفة: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، وكلاً وعد الله الحسنى، والله بما تعملون خبير)[1].

وأنتم اليوم تقاتلون في مثل ما قاتلوا.. من قبل الفتح ومن قبل أن تنطلق الجيوش والجموع، تقاتلون وحيدين.. قلة مؤمنة.. وأنكم والله لأضيع من جند طارق على سواحل الأندلس.. وليس لكم إلا الصبر، فالنصر وإنه لآت.. بإذن الله.

ولكن لابد من وقفة معكم.. ولو يسيرة، قبل أن تمضوا صعداً في دروب بطولتكم.. مخلفين وراءكم جموع الكسالى.. تشدهم روابط الحياة إلى مواقعهم على الأرض.. في المكاتب أو المناصب.. أو البيوت والسيارات وبين الأموال والأولاد. في هذه الوقفة البسيطة أقول لكم أمرين هامين:

1ـ أولا.. إنكم تموتون وكلنا سيموت، وهل تدرون ما معنى ذاك ؟ معناه إنكم تخسرون هذه الحياة.. تقدمون على هذه الخسارة بمحض اختياركم.. وأنتم تعلمون بها قبل وقوعها.. فمقابل أي شيء أنتم تفعلون ذاك ؟

إنه والله ما في هذا الكون كله ما يستحق أن يجود الإنسان من أجله بحياته.. بوجوده، بذاته كلها.. إلا الجنة.. والطريق إليها واضحة، مثل شمس الضحى.. وإنه بالنسبة إليكم لفي غاية السهولة، ولا يصعب سلوكها إلا على العتاة الكفرة.. غلاظ القلوب، أو الضعاف العجزة.. صغار النفوس ممن يتعلقون بهذه الحياة، أكثر من تعلق الطفل بأذيال أمه.

الطريق إلى الجنة.. هذا الثمن الكريم.. لحياتكم التي تبذلونها مختارين مسرورين.. هو الإيمان بالله ورسوله والجهاد في سبيله.

وبمعنى أوضح.. اجعلوا قتالكم الذي تمارسون.. خالصاً لله وحده.. وابتغاء إعلاء كلمته، وهذا لا يحتاج منكم إلى كبير جهد، وقد أقدمتم على الأصعب والأشق والأخطر.. أقدمتم على القتال.. فأقدموا على إخلاص النية وصدقها.. تفوزوا بالجنة ونعيمها.

ولنردد معاً قول واحد من رجالنا وسيد من سادات أبطالنا، عبد الله بن رواحة:

يا حبذا الجنة واقترابها      طيبة وبارداً شرابها

2ـ وثانياً.. كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى قائد جيشه في العراق، سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وصية مطولة جاء فيها:

(أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد، بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة مع العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولا إن عدونا شر منا، فلن يسلط علينا وإن أسأنا، فرب قوم سلط عليهم شر منهم كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله، كفرة المجوس. (.. فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولاً)، واسألوا الله العون على أنفسكم، كما تسألونه النصر على عدوكم، اسأل ذلك لنا ولكم)..

ولقد أردت سوق هذه الوصية لكم يا رجال.. لعل الله ينفعكم بها.. فإليكم هي.. بدون مطلق تعليق.. هي بغنى عنه.. وهي أقرب إلى قلوب المؤمنين.. من كل شرح مهما عظمت بلاغته ورقت عبارته.

فعليكم أيها الرجال بتقوى الله.. وليكن جهادكم لله تعالى وحده، ومنه تستمدون القوة.. وإليه تكلون أموركم وهو كافل النصر لكم.. وأنكم والله إن صدقتم النية لله وحده واتقيتموه لفائزون بإحدى الحسنيين.. شهادة كريمة.. جزاؤها مقام كريم عند رب كريم، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين.. أو نصر عظيم.. وفتح مبين.. فيه تحقيق لكل الآمال العراض.. وفيه شفاء لما في الصدور.

وبعد ذلك.. أخيراً:

لا يهمنكم ماذا سيحل بالزوجة والأولاد.. فذاك أمر ليس في مكنة أي منا أن يوجهه كما يريد.. ولا حتى الذين خلفوا.. بحجة أن لهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم.

.. كنا نتحدث مرة.. ولم يك ـ كالعادة ـ من حديث لنا إلا فلسطين والأعداء، والقتال.. جهاداً في سبيل الله، لرد الأعداء الغزاة.

وتحمس أحد الحاضرين.. فسأل: وما الحل ؟ فأجابه آخر: إن الحل الوحيد هو أن يتحرك كل قادر على القتال منا إلى أرض القتال.. ويباشر القتال.

ولقي الحديث صدى طيباً في نفسه، ولكنه ما لبث أن ارتطم بنداء الحياة الدنيا.. فقال: ولكن.. والأولاد ؟

ولم يجبه الثاني.. بل بادره بالسؤال فوراً.. أوليس ممكنا أن يقبضك الله إليه، الآن في هذه الجلسة وقبل أن تذهب للقتال ؟

فوجئ الرجل بالسؤال.. فأجاب: طبعاً. عندها بادره بالسؤال المفحم: طيب.. والأولاد ؟

فأجاب جواب المؤمن الصدق: (أن لهم الله).

وهنا أحكم عليه الطوق وقال له: (وكيف يكون الله لهم إن أنت مت الآن.. ولا يكون لهم إن أنت مت هناك.. مقاتلاً مجاهداً ؟).

.. بلغ منه التأثر حداً مفرطاً.. وانفض اللقاء. وذهب الشاب.. ليكمل أجازته.. ويعود من جديد.. إلى مجال السعي على الزوجة والأولاد.. إلى إحدى دول الخليج.

هذه أسوقها لكم أنتم.. الذين تساميتم، فوق هذه العواطف والروابط وأجبتم داعي الله.. يدعوكم إلى الحياة.. الحياة الحقة.. التي عرفتم طريقها فسارعتم رغم كل ما في الطريق من محن وآلام. وأما الأولاد.. فدعوهم فعلاً لله.. ولكن علموهم أن ينشدوا كلما ذكروكم:

قل للذي ليحـرر القـدس انبـرى     يصلي الغزاة النار في صلي سديـد

يسقي ثراها بالنجيع ومـا ارتضـى     عيش الأذلة قد نضى ثوب العبيـد

أنـا لست أبكي إذا فقدتك يـا أبـي    بشهـادة قـد نلتـها إنـي سعيـد

سأصيح في الدنيا أسعـر للصـدام     وإننـي ماض بقصـدي لن أحيـد

*     *      *

أماه قومي فالبسـي حسـن الثيـاب     فإنـه قـد جاءنـا نـعش الشهيـد

وتزينـي، وتشـددي، لا تجزعـي      لا تذرفي الدمع السخين، فلن يفيـد

لا تفسـدي فـرح الرجـال بعـبرة     للدمـع قد ولى زمان، لـن يعـود

ودعي البكاء يكـون يـوم فجيعـة      فيه انهزمنـا غفلـة، لا يوم عيـد

 *       *      *

عهـد علينـا يـا أبـي، وبقـادر      وعد المجاهد جنـة، أو أن يسـود

إناّ على درب الشهـادة سائـرون      لحربهم، نشتـد مثـلك، كالأسـود

وغـداً إذا عـاد الضياء لقدسنـا       لا تسألي يا أم، أين ثـوي الشهيـد

موت الرجال حياتهم إن هم مضوا       يبغون نصر الله من كيـد اليهـود



[1] - الحديد الآية (10).

يتبع

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ