العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 21 / 11 / 2004

 


الجولان ينادينا ـ 28 ـ

الخسائر:

ونعود مرة أخرى إلى الخسائر ونبدأ بالحديث عن النفس.. لأن الذي ثبت أن الخسائر فيها كانت قليلة لا توازي الربح الذي حصل عليه العدو، باحتلال الجولان.

إن احتلال الجولان، لو تم بعد قتال صحيح، حقق فيه الطرفان أقصى الجهود، لفوز كل منهما بهدفه وإنجاز مهماته.. لكان اليوم كل من حشد من القوات الدفاعية للجيش السوري، بين قتيل وجريح وأسير، ولكانت الخسائر لدى الطرف الآخر ـ العدوـ تبلغ ضعف الخسائر السورية إن لم تقل أكثر..

فالأوامر الصريحة بوجوب التشبث بالأرض، إضافة إلى متانة التحصين، وكثرة الموانع..، يقابلها في الطرف الآخر، إصرار لدى العدو على تحقيق أهدافه، تعززه إمكانات نارية هائلة كان أهمها الطيران الذي عمل بحرية ودقة..!

إن هذا وذاك.. لو أنه جرى فعلاً كما كان يجب أن يجري.. لغطيت أرض الجولان بالجثث، تزيد على ما دمر من سلاح وعتاد، ويا ليت ذاك حصل.. إذن لكانت خسارة الأرض أقل فجيعة منها الآن.. ففي ذلك عزاء كبير، إن العدو لم يحتلها بسبب جبن القوات وتآمر قادتها..!

ولكن هل ذاك يكفي، وهل يريح النفس أن نقول إن القوات قد انهزمت من وجه عدوها، ولم تؤد واجبها ؟

إن ما يلفت النظر، هو أن القوات الإسرائيلية، قد ظفرت أكثر من مرة بتجمعات من القوات الهاربة، أو بأرتال مشوهة متجرجرة تسحب أذيال الخزي والعار في رحلتها هروباً إلى أرض (الأمان).. فلماذا لم تقم بالفتك بهذه القوات الهاربة ؟

هل هذا نبل من العدو.. أن لا يفتك بقوات محطمة مشردة بعد أن ألقت سلاحها وغادرت مواقعها مولية الدبر ؟

إن تصرف هذا العدو هذا.. يثير التساؤل حقاً، ويستحق وقفة فاحصة، للتعرف على الأهداف اللئيمة التي كان العدو يرميها بعمله هذا..

وقبل أن نحاول التعرف على تلك الأهداف.. ومقدمة تقود إلى التعرف المقصود.. نؤكد أن موقف العدو من تلك القوات، لم يكن أصيلاً في طبعه، وإنما كان جزء من مخطط ذي أهداف بعيدة..

ذلك أن العدو.. يقوم كل يوم في داخل الأرض المحتلة بعمليات الإبادة والتهجير، ضد كل الآمنين العزل، ويوقع فيهم اشد أنواع الإرهاب والوحشية.. مما لم تعرف له الإنسانية مثيلاً إلا في سجون حزب البعث العربي الاشتراكي..، شريك العدو.. والمنفذ الأول.

ونحن نرى كل يوم، ونسمع في اليوم مرات كثيرة.. عن الوحشية والعنف اللذين يمارسها العدو، ضد أية وحدات أو أفراد من الفدائيين، حين وقوعهم في قبضته.. كما أننا مازلنا نذكر بأوضح ما تكون الذكرى.. وحشية العدو وحقده في القدس والكرامة وقلقيلية، وإصراره على إنزال أكبر الخسائر بالأرواح، قبل الممتلكات والعتاد..

فلم إذن كان ذاك الموقف العجيب.. الذي وقفته وحدات العدو من القوات السورية الهاربة الهائمة على وجهها في الاتجاهات الأربع وتفرعاتها ؟؟

إننا لا نجد لذلك إلا تفسيراً واحداً، تتفرع عنه أهداف عديدة، قصد إليها كل من العدو الإسرائيلي، والحزب البعثي. إن التفسير الوحيد لذلك الموقف.. هو أن العدو ـ حين وضعت خطة تسليمه القنيطرة ـ قد قام بإعطاء تعهدات والتزامات مؤكدة، بأن قواته (الظافرة) لن تتعرض إلى الأشخاص، شريطة أن تتخذ كل الإجراءات الكفيلة بسوق هؤلاء الأشخاص، (ويشكلون بمجموعهم الوحدات المقاتلة) إلى إلقاء السلاح والفرار من وجه القوات العدوة المهاجمة..

لقد نفذ العدو التزامه كأدق ما يمكن أن ينفذه آخر سواه.. وسلم الأشخاص من حقد القوات اليهودية.. فكانت الخسائر من القلة بحيث لا يليق ذكر عددها، نسبة إلى ضخامة الخسارة التي وقعت في السلاح والعتاد والأرض، ونسبة إلى ما كان يجب أن يدور على تلك الأرض من قتال..!

ولكن العدو المعروف بغدره، ونكثه المواعيد والمواثيق، وخيانة العهود والضرب عبر الحائط بالالتزامات التي يعطيها، ماذا كان يهدف من حفاظه على التزاماته هذه حتى نفذها بدقة وأمانة ؟

هذا ما سنحاول تقصيه من خلال ما نعرف عن حزب البعث وإسرائيل، كعدوين لئيمين يكيدان لهذه الأمة في دينها ومستقبلها..!

(أ) إنه لم يسبق أن جاء حكم إلى سورية، قادر على تخريبها وتحضيرها لتقبل غزو العدو الإسرائيلي مثل حزب البعث، وقد بينا ذلك في كثير من الإشارات العابرة أو المفصلة إلى هذا المعنى وأثبتناه..

(ب)ونتيجة منطقية لهذا.. فإن العدو الإسرائيلي، لا ولم ولن يكون أحد أشد منه حرصاً على تثبيت حزب البعث في مواقع الحكم.. ثم مساعدته للامتداد حتى يشمل خطره كل جزء يشكل تهديداً ـ عاجلاً أو على المدى البعيد ـ للوجود العدواني الإسرائيلي الغريب.

(ج) وإذا ما قام العدو بتدمير القوات، وإلحاق خسائر في الأرواح كبيرة ـ خلافاً لما قدم من التزامات مسبقة ـ فإن لذلك نتائج خطيرة على مخططات العدو للمستقبل، وأهم هذه النتائج الخطيرة تقع في:

أولاً: إن حزب البعث لن يعود يثق بالعدو الإسرائيلي، وفي ذلك خطير كبير على مستقبل العلاقات بينهما، وإذا خسر العدو مثل هذه الهيئة، فإن من الصعب عليه أن يحصل على خرى أخرى مماثلة لها إلا بعد        ااىااننتنتنت  55موةوةووو    ةوةوةو

 أخرى مماثلة لها إلا بعد إعداد وجهود مضنية طويلة قد تثمر، وقد لا تعطي إلا النتائج المعكوسة.

وثانياً: إن الخسائر الكبيرة في الأرواح، ستجعل معظم عائلات سورية منكوبة موتورة، بمعدل قتيل أو أكثر في كل عائلة.. وفي ذلك ما يشكل أكبر الخطر على وجود الحزب الحاكم، لأن الجماهير المنكوبة بأبنائها.. لا تستطيع نسيان تلك الجراح بسهولة، فتصبح سهلة الانقياد لكل داع يدعوها إلى إسقاط حزب البعث الذي تعتقد أنه سبب كل نكباتها ومحناتها.. والتي توجت أخيراً بمحنة حزيران العار.

وثالثاً: إذا تم تدمير القوات وتشتيتها، فماذا يبقى لحزب البعث ليحمي نفسه من غضبة الشعوب المنكوبة ؟

إذن، لابد من الإبقاء على الوحدات سليمة، شريطة أن تلقي سلاحها وتفر خارج الأرض التي يريد العدو استلامها.. وليقم بعد ذلك حزب البعث، بإعادة تسليحها ليحمي نفسه ويثبت حكمه..

(د) إن عودة القسم الأكبر من القوات، سالماً، بعد أن رأى فظاعة القصف المعادي، وذاق أهوال الحرب، ثم استمتع بلذة النجاة.. فإن لهذا نتائج تفيد العدو على المستقبل البعيد وتقع في:

أولاً: قدرة هذه القوات الهاربة على إشاعة روح الجبن والذلة والرعب من الحرب بنشرها بين سكان البلاد أخبار الحرب، وأهوال القتال.. ومع ما يرافق ذلك عادة من مبالغات وتهويل، ينسجها خيال الجبان، ليبرر ـ بصورة غير مباشرة ـ أمام سامعيه وناظريه فراره وتركه مكانه مولياً دبره.

وثانياً: استعداد هذه القوات نفسها، لتكرار الفرار والهزيمة في أي صدام مقبل مع العدو على غرار ما حدث في سيناء، خلال عامي 1956، و1967.. وهذا لعمري من أهم ما يحرص العدو عليه.. ويسعى لتحقيقه.

وثالثاً: ستبقى هذه القوات في موقف ضعيف تجاه قيادتها.. التي ستبقى تهددها بالجزاء والعقاب على الفرار.. فتضطر للاستمرار في الخنوع الذليل للقيادة المتآمرة، وتستمر هذه في تنفيذ ما يرسم لها من أدوار ومراحل عمل جديدة..

وأما الأسلحة والعتاد.. فقد كانت الخسائر فيها كبيرة جداً.. ولكن الذي يلفت النظر، أن الخسائر وقعت ضمن حالتين لا ثالث لهما:

1ـ الحالة الأولى: وتشمل الأسلحة التي دمرت نتيجة القتال، سواء ما دمرته الاشتباكات مع قوات العدو، وما دمره قصف الطيران والمدفعية الإسرائيليين.. وفي كل منهما.. كانت الخسائر ذات قيمة خطيرة.. ولكن هذا أمر طبيعي، لا يحزن ولا يستحق منا أن ننفق شيئاً من الوقت وغيره في الأسف عليه...

2ـ الحالة الثانية: وتشمل السلاح والعتاد الذي ترك سليماً على أرض الجبهة.. فاستفاد منه العدو أو سرقه المهربون، أو أكلته عوامل التلف الأخرى..

هذا النوع من الخسائر، هو ما يستحق الوقوف عنده لكشف الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب المسكين المغلوب على أمره.

إن من أهم المبادئ التي يتعلمها كل عسكري حتى تصبح جزءاً من حياته اليومية.. وجزءاً من ردود فعله الطبيعية عند حلول وقتها.. هو أن من واجب القوات ـ أية قوات ـ تدمير كل سلاح وعتاد لا تستطيع إنقاذه، حين تشعر أن الوضع أصبح يقضي بالانسحاب من موقع تتمركز فيه.. وذلك حرصاً على عدم السماح للعدو بالإفادة منها...

ولقد كان أمام القوات التي انهزمت من الجولان متسع من الوقت، لسحب أسلحتها وعتادها.. أو تدميرها إذا هي شعرت أن الطيران الإسرائيلي لن يتيح لها حمل ذلك السلاح والعتاد...

فلماذا تركت الأسلحة والعتاد.. في القسم الأعظم منها، هكذا.. للعدو ليقوم بجمعها وتشكيل وحدات كاملة من جيشه مزودة بأسلحتنا هذه ؟ لابد من إجابة يطالب بها يوماً ما، المسؤولون عن تلك القوات، وخاصة الضباط.. لأن هذا يقع في دائرة واجباتهم خلال أعمال الانسحاب.. ومثل هذا.. يقال عن المستودعات.. وخاصة مستودعات الوقود والذخيرة.

إن تدمير هذه المستودعات، لم يكن يحتاج لأكثر من يد لا ترتعش تقوم بإشعال فتيل معد مسبقاً لمثل هذه الساعة، ثم تنسحب.. فتترك تلك المستودعات خراباً لا يجني منه العدو مطلق ربح.. ولكن تلك اليد، افتقدت في ساعة الحرج. وغابت في اللحظة التي تعين عليها فيها الحضور لأداء الواجب. ويبقى في موضوع نقاشنا للخسائر، الآليات.

الآليات بكل أنواعها، بدءاً من عربات الجيب وانتهاء بالدبابات الثقيلة، مروراً بالشاحنات ذوات الأحجام المختلفة، وعربات نقل الجند المدرعة، وقاطرات المدافع، وحاملات الدبابات...

هذه الآليات، كانت تشكل الثروة الآلية للجيش.. فدمرت.

ولكن لماذا ؟ وما أسباب حرص العدو على أن لا تفلت منه إحداها ؟ وماذا كان على سائقيها وقادتهم أن يفعلوا للحيلولة دون أن يشملها التدمير بكاملها.. ؟

وهل كان يمكن إنقاذ شيء منها، وإفلاته من قبضة الطيران الإسرائيلي ؟  هذا ما نحاول الإجابة عليه.

ـ إن حرص العدو على تدمير كل القوة الآلية للجيش لا يخرج عن حدود مخططه العام لتدمير الطاقات الفعالة في البلاد العربية.. وشل إمكاناتها، وإلحاق أكبر ما يمكن من خسائر باقتصادها...

إن تدمير تلك الثروة الضخمة من الآليات التي كان يملكها الجيش، يحمل في أحشائه إصراراً لئيماً على إنهاك الشعب بالضرائب والتكاليف..

إن من الطبيعي، أن تلجأ القيادة ـ أية قيادة ـ إلى تعويض ما خسرته في الحرب، وهذا بدوره يحمل الحكومة نفقات هائلة لا مورد قادر على تغطيتها إلا ما في البلاد من موارد، وما في أيدي الشعب من طاقات للبذل، فتفرض الضرائب الجديدة، ويطالب الشعب بمزيد من التضحيات.

ومادامت القيادة المعنية هي حزب البعث ومتسلطيه على الحكم.. فإن ذلك يعني ـ استنتاجاً ـ إن مزيداً من الإذلال والإرهاق سينزل بالشعب كله، وفي هذا ما يحقق المزيد من إلهاء الشعب بقوت يومه.. عن التفكير بقضاياه الكبرى، والمبادرة لممارسة مسئولياته في علاجه.. !

هذا من جانب العدو، وحزب البعث...

ولكن ما الذي كان من جانب القوات نفسها من أساب التدمير ذاك ؟!

إن الفوضى التي دبت في القوات.. وسوء استخدام الطرق والأرض وإصرار القادة على تحريك الأرتال في ظروف سيئة حقق فيها العدو أقصى تفوق في الجو.. ثم روح الهزيمة التي سيطرت على الجميع، والتسابق للخروج من حدود الجولان فراراً من الموت والدمار.. هذا كله كان السبب الأكبر في نزول الخسارة الماحقة تلك..

إن من أهم مبادئ الدفاع السلبي ضد الطيران.. التي تتعلمها كل القوات خلال حياتها..، ويؤكد في تلقينها وتعليمها ـ بصورة خاصة ـ على الضباط والسائقين، والمسئولين عن تنظيم حركات النقل..

إن من أهم هذه المبادئ هو مبدأ انتشار الآليات.

إن انتشار الآليات.. يعني لكل مسئول عن حماية القوات.. وبالنسبة للآليات ما يلي:

1ـ بخصوص الآليات المتوقفة.. فإن ذاك يعني ويوجب نشرها ضمن أكبر مساحة ممكنة من الأرض.. مع الإفادة من كل ما فيها من انحناءات وتضاريس، تقلل من إمكانية انقضاض الطائرات.. وتزيد من فعالية الأسلحة المضادة لها، شريطة أن لا يسبب الانتشار، فقدان سيطرة القادة على تلك الآليات...

2ـ وأما بخصوص الأرتال المتحركة.. فإن واجبها يقضي عليها حين تتعرض للهجمات الجوية، أن تزيد الفواصل بين الآليات والوحدات.. وتزيد سرعتها.. وتحاول استعمال الطرق الفرعية أو الأرض على جانبي الطريق.. كل ذلك من أجل التقليل من تأثير الانقضاضات التي تقوم بها طائرات العدو..

3ـ إضافة إلى ذلك.. فإن علينا أن لا نغفل ما كان على تلك القوات من واجب التمويه والإخفاء وخاصة بالنسبة للآليات المتمركزة..

فهل حصل من ذلك شيء..

إن النتائج التي حققها الطيران الإسرائيلي.. تدل بوضوح ودقة على أن تلك المبادئ لم تطبق أو طبقت ولكن بشكل هزيل سخيف.. حتى بلغت الخسائر ذاك المبلغ الهائل.

واستناداً إلى ما لدينا من معلومات عن الذي وقع، واستناداً إلى ما نعرفه من طبيعة الأرض ـ وخاصة في مناطق الجولان وما حولها من أرض سورية ـ فإننا نؤكد أن تلك المبادئ والأسس كانت بعيدة من المسؤولين عن الوحدات وآلياتها.. بعد السماء من الأرض..

إننا نؤكد أن الأراضي تلك كانت قادرة على إخفاء القسم الأعظم من الآليات، مما تحويه من انحناءات وتلال ومناطق مشجرة.. لو أن المسئولين عن الآليات وقادة الوحدات، استطاعوا أن يملكوا أنفاسهم، ويسيطروا على السائقين..

إن واجب أولئك القادة، كان يقضي عليهم إجراء التحركات كلها في الليل.. بسبب انعدام الحماية الجوية لها، ومن ثم الانتشار والتمركز في النهار.. مستفيدين من كل إمكانية تقدمها الأرض للاختفاء.. ومضيفين إلى ذلك ما يقضيه واجبهم من أعمال التمويه.

إن الذي سجلته عدسات التصوير، وأفلام السينما والتلفزيون، وما نشرته الصحف الإسرائيلية والأجنبية، عن خسائر الجيش السوري في الجولان، يثبت ـ مع أشد الأسف ـ أن كل الخسائر الآلية تلك، قد وقعت على الطرقات المختلفة، ولم يكن على الأرض خارج الطرق، من الخسائر إلا ما يعادل من الجمل أذنه !

فما حيلتنا بعد ذلك كله، مع جيش المراهقين.. جيش الجهلة. الجيش الذي أثبت أنه أسوأ وأجبن المؤسسات التي أنفق عليها الشعب ثلثي موارده خلال عشرين عاماً.. ليحميه من خطر آت عبر الحدود.. فأسلمه لذاك الخطر، وأسلم (شجعانه) السيقان للريح ؟؟

يتبع

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ