العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 19 / 09 / 2004

 


الجولان ينادينا ـ 25 ـ

نقاش الإثبات

 (.. صحيح أننا عملنا حتى الآن على تسهيل الحياة أمام مملكة تعيش بعيدة عن النفوذ السوفييتي، ولكن، في النهاية، تفرض علينا مصالحنا الاختيار..

نجد الآن أنه يوجد في سورية نظام بعثي.. وهو تحت النفوذ السوفييتي.

ولكن الواقع أن هدوءاً كاملاً يسود خطوط وقف إطلاق النار التي تفصل بيننا وبين هذه البلاد. وبتعبير آخر، وبغض النظر عن المفاهيم العقائدية، علينا أن ننظر إلى الأمور نظرة واقعية.

من تصريح آبا إيبان لمجلة (الإكسبرس) 22 نيسان 1968. عن كتاب (المسلمون والحرب الرابعة).

ـ 1 ـ

من الجانب العسكري

قبيل الحرب وخلالها افتعلت أخطاء عسكرية في غاية الأهمية والخطورة، كان لها الأثر الذي نراه اليوم، من فجيعة تكاد تذهب بالعقول.

والأخطاء التي ارتكبت، سوقية (استراتيجية)، أو تعبوية (تكتيكية) ما كان لها أن تقع، لو أن القيادة البعثية كانت حريصة حقاً على صون البلاد، لأن هذه الأخطاء، لا تصدر عن مطلق قائد، مهما بلغ من السذاجة أو  السطحية أو الارتجال في ما يتخذ من قرارات. ونحن نناقش الآن أهم هذه الأخطاء وأخطرها، وما كان لها من نتائج سببت النكبة.

1ـ عدم إعلان التعبئة العامة (النفير العام): وذلك يعني أن حزب البعث، لجأ لمواجهة تهديدات بالحرب يطلقها العدو الإسرائيلي، ويعلن خلالها أنه سيزحف لاحتلال دمشق..

مثل هذه التهديدات، وما تلاها من تحركات وأحداث بدأت تتلاحق في تصاعد مستمر، حتى بلغت نقطة (اللاعودة)، وأصبح في حكم المحقق الأكيد، وقوع الحرب، والصدام مع العدو.

رغم ذلك.. بقيت قيادة (السويداني وجديد والأسد وزعين، وماخوس وسادسهم الأتاسي، وكل الشركاء الآخرين في الجريمة).. هذه القيادة ظلت محتفظة (بهدوء أعصابها..!) ولم (تؤثر التهديدات في خط سير الثورة).. تلك التهديدات.. (الصغيرة التافهة) التي يطلقها العدو.. (لتدعيم موقع عملائه من الرجعيين والإمبرياليين[1]).

أقول: إن قيادة حزب البعث، لجأت لمواجهة ذلك الخطر المحقق، بتظاهرة دعائية مجرمة توهم أن القيادة تقوم بالحشد العسكري المطلوب.. بينما تركت الطاقات والقوى الحقيقية الفعالة، والقادرة فعلاً على مواجهة العدو والتصدي له بأمانة وفعالية.. كل تلك القوى والطاقات، تركتها القيادة (البعثية) معطلة مشلولة، وكأنها دخيلة على الوطن، ولأن البعثيين ينظرون إلى هذه الطاقات، نظرة الريبة، ويرون فيها ـ لو جمعت وأطلقت يدها ـ مصدر خطر على وجودها واستمرارها في السلطة.

إن كل ما قامت سورية (حزب البعث)، باستنفاره من طاقاتها لمواجهة الحرب بعد أن تحقق وقوعها، هو ثلاثة ألوية احتياطية من ألوية المشاة، هي الألوية (80، 123، والثالث لم أقف على اسمه).. وهذا يعني أن كل ما استنفر، لم يتجاوز عشرة آلاف مقاتل.. كان معظمهم من الاحتياطيين بعيدي العهد بالتدريب.. ثم عبئوا في وظائف وأعمال ليست اختصاصاً لهم.. ثم رغم ذلك.. كلفوا الهجوم على (صفد).

لقد استطاعت إسرائيل حشد (11%) من طاقاتها المقاتلة للحرب ضد العرب[2]، وأن مبادئ النفير السليم تنص أن من واجب أية دولة لمواجهة الحرب، أن تعبئ ما لا يقل عن 10% من طاقاتها البشرية للقتال..

فإذا كان تعداد سورية لا يقل عن خمسة ملايين شخص، فإن من واجب الدولة أن تستنفر نصف مليون مقاتل وتضعهم في ظروف الاستعداد للحرب، ليؤدوا الأمانة المطلوبة.

ولزيادة الإيضاح، نؤكد أن نصف هذه النسبة على الأقل كان في وسع القيادة حشده واستنفاره لأن ما لا يقل عن ربع مليون من الرجال سبق له أن جند ودرب منذ تطبيق نظام التجنيد الإجباري في سورية وحتى يوم المؤامرة.

إذن.. كان في وسع حزب البعث، أن يعبئ ربع مليون من المقاتلين في وجه إسرائيل على الأقل وهذا الـ (ربع مليون) فيه من أهل الاختصاص والخبرة عشرات الألوف من الضباط وضباط الصف والجنود، الذين سرحوا من الجيش خلال العهود السياسية المتعاقبة، فلم تستنفر هذه القوى لتؤدي دورها في الدفاع عن البلاد ؟؟!

هنا.. تقع أول نقاط الاتهام، بحق المجرمين الذين صنعوا هذه النكبة، ويدعم هذه التهمة تصريح خطير لقائد الجيش البعثي، يثبت الجريمة ويدين المجرمين..

فلقد صرح اللواء أحمد سويداني، رئيس الأركان العامة، عشية الحرب وبتاريخ 4/5/1967، خلال زيارته لتفقد القوات في الجبهة، وأمام جمع من ضباط الوحدات قائلاً: (إن القيادة لا تتوقع الصدام مع العدو.. وإن الذي ترونه يجري الآن، ما هو إلا تظاهرة عسكرية بالحشد).

2ـ حشد القوى الاحتياطية غير المدربة، وتعبئة العسكريين في ملاكات ووظائف ليست من اختصاصهم، في الوقت الذي تركت فيه العناصر الاختصاصية معطلة الفعالية، ومعزولة تماماً عن ميدان القتال.. فكانت النتائج المذهلة التي رأينا.

إن أية قيادة، مهما كان رجالها جهلة أو مغفلين، لا يمكن أن تقدم على الذي فعلته قيادة حزب البعث، وإن هذا الرأي الذي فعلته لا نجد له تفسيراً إلا أنه الخيانة المدبرة مسبقاً والمرسوم لها أدق الخطط وأكثر التفصيلات لؤماً وسوء نية.

إن أية مؤسسة (حتى بائع الحمص والفول)، لا تسمح لغير المتخصصين أن يمارس عملاً لا يفقهه أو لا يتقنه.. وهذا أمر طبيعي وبديهي.. فكيف تقدم قيادة جيش، ومن ورائها قيادة دولة على وضع قوات بكاملها، في مواجهة العدو ـ حتى ولو كان ذاك العدو ضعيفاً أو جاهلاً ـ وتكلفها بأخطر الواجبات القتالية.. وهي تعلم أن هذه القوات ليست إلا جمعاً متنافراً من الرجال، كما رسمت لذاك قيادة البعث، فاقداً لأبسط مستوى من التماسك والتعاون اللذين لا ينشآن عادة إلا بنتيجة التدريب المشترك الطويل ؟

كيف يمكن أن تقدم أجهزة دولة، وقيادتها، قوات للحرب عين فيها المتخصص بالهاون، رامياً لمدفع م ـ ط، أو الذي أمضى خدمته السابقة حاجباً أو خادماً في بيت أحد الضباط، رامياً لمدفع مضاد للدبابات ؟

لا.. إن الذي حدث لم يكن أخطاء مبعثها الجهل أبداً.. فأجهزة النفير ومكاتبه التابعة لقيادة الجيش السوري لها من الخبرة والاختصاص ما جعلها تحقق في      ـ أوائل الستينات ـ أرفع مستوى في أعمال النفير وتعبئة الوحدات، عرفته دولة عربية على الإطلاق.

والجداول الإحصائية، والسجلات الذاتية لكل من عاش في الجيش تضم من المعلومات ما هو كاف وبدقة كافية، لتعطي من يستعملها أوضح معلومات عن اختصاص كل فرد في الوطن.. وبالتالي ما يمكنه من تعبئة هذه الاختصاصات في ميادين عملها، والوظائف التي تتيح لها أن تقدم أفضل إنتاج. فلم قامت أجهزة النفير خلال عهد حزب البعث بهذا العمل المجرم ؟..

هذه أيضاً، النقطة الثانية من الاتهام ضد الحزب وأجهزته المتسلطة على الحكم.

3ـ حشد الألوية والوحدات المختلفة في حدود ضيقة من الأرض دون توفير الحماية الجوية لها..

إن المعروف ـ بديهياً ـ في الحرب الحديثة، أن القوات الأرضية تكون شبه عاجزة عن تحقيق قتال ناجح ـ إلا في حدود ضيقة وحالات خاصة كالليل والالتحام مع العدو ، إن لم تكن تملك الحماية الجوية الكافية التي تمكنها من إجراء التحركات والمناورة، دون خوف من ضربات جوية خطرة.

ولقد لجأ حزب البعث إلى حشد مجموعة ألوية في قطاع ضيق من أرض الجولان، كان يغص أصلاً بالقوات المدافعة، حتى اختلط الحابل بالنابل، وازدحمت الأرض بالرجال والسلاح والعتاد والآليات.. كل ذلك، أجراه حزب البعث، في غياب الطيران غياباً كاملاً عن سماء المعركة.. فكان ما كان من استنفار الطيران المعادي وتحقيق الفاجعة، التي دمرت العديد من وحدات الجيش، وأذلت رجولته وكرامته وسمعته، وأفقدته أجود أسلحته وعتاده.

والسؤال الذي لابد من طرحه.. لإيضاح الجريمة، هو عما فعلته قيادة البعثيين بالطيران السوري.

إن من حقنا أن نسأل، بل واجبنا أن نصر ونلح في السؤال، أين الطيران السوري في تلك الحرب.

إن كانت قيادة البعثيين لا تملك من الطيارين الذين تثق ببعثيتهم، من هو قادر على امتطاء صهوات الميغ والتصدي للميراج التي يقودها جبناء يهود، فهل من حق تلك القيادة أن تخلي سماء البلاد من الطيران الذي تملكه وتكدسه في العنابر (الهنغارات) وتترك الطيارين القادرين على أداء دورهم مسرحين مشردين، يرون الطائرات الإسرائيلية تحرث أجواء البلاد، وتحرق أرضها، وتدمر قواتها.. وهم معزولون عن التصدي لها، فكأن الواحد منهم مصارع جبار شلت ساقاه وقيدت بالأغلال رجلاه ؟

وأما من الوجهة الأخرى، المقابلة، فكيف تقدم القيادة الفجة على إجراء ذلك الحشد وتحريك القوات في وضح النهار، وهي تعلم تمام العلم أنها عاجزة عن تحقيق حماية جوية لها ؟

أو ليس هذا وحده دليلاً كافياً على أن تلك القيادة لم تكن جادة في كل ما قامت به من إجراءات هزيلة ادعت أنها قامت بها استعداداً للحرب ؟


[1] - الصيغ الكلامية هذه وأمثالها هي من الصيغ التي استعملتها أجهزة الإعلام البعثية خلال فترة التهديد بالحرب، منذ 27/5/1967.

[2] - انظر كتاب الوحدة العسكرية العربية الطبعة الثانية ص 139.

يتبع

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ