العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 13 / 02 / 2005

 


الجولان ينادينا ـ 32 ـ

***.. ومن الجانب السياسي ..

رؤى متنوعة للمؤامرة..

ويشاء الله الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.. أن يثبت لي وللأمة، صحة ما ذهبت إليه.. ويكشف جانباً من المؤامرة على لسان واحد من كبار المتآمرين..

ففيما أنا منهك في إعداد الصفحات الأخيرة من هذا الكتاب.. صدر للدكتور سامي الجندي، كتاب جديد بعنوان (كسرة خبز).. يفضح فيه جانباً كبيراً جداً من المؤامرة.. هو جانب الاتصالات واللقاءات مع المسئولين الإسرائيليين.. لإعداد مخطط الجريمة..!

والدكتور سامي الجندي.. حين يصرح بهذا الأمر، فإن خطورة مثل هذا التصريح، تقع في كون الجندي هذا، رجلاً غير عادي، ومطلعاً على كثير من الخفايا والأسرار.. وفي أخطر فترة سبقت تنفيذ المؤامرة، فترة الإعداد لها ورسم خططها والتفاصيل والأدوار فيها.

سامي الجندي ذاك، هو أولاً من الشرذمة الأولى التي أسست حزب البعث العربي الاشتراكي وساهم في كثير من أعماله التنظيمية، وصوغ عقيدته، والدعاية له.. ونشر أفكاره في المجالات التي يعشش فيها الحقد الطائفي، ممتزجاً بالكره والحسد الطبقيين.. وهما أهم مناخين تربى فيهما قادة حزب البعث.. وتكونت مقومات شخصياتهم.

وسامي الجندي.. هو من الأوائل الذين شاركوا في حكم سورية باسم حزب البعث ـ صراحة ـ فكان عضواً في القيادة القطرية.. ثم وزيراً للإعلام.. ثم رشح أكثر من مرة لرئاسة الوزارة.. ولا ندري سبب رفضه.

وسامي الجندي.. شارك في الأعمال والمؤسسات والمؤتمرات التي عقدت على مستوى الجامعة العربية، لمعالجة قضايا الأمة المصيرية.. وكان أبرز عمل له هو مشاركته في لجنة المتابعة التي انبثقت عن مؤتمرات القمة العربية.

وسامي الجندي أخيراً.. سفير سورية في فرنسا.. في باريس.. التي شهدت كثيراً من اللقاءات بين مسئولين أو مبعوثين شخصيين غير رسميين لمسئولين عرب.. وبين جوانب مماثلة من جانب العدو..

سامي الجندي هذا.. وبلهجة الـ (. . .) الذي خانه شركاؤه.. فلبس زيفاً لبوس التقوى، وقرر فضح شركائه تمهيداً لتنصله من المسئولية.. يقول في معرض حديثه عن الجولان:

(لقد نبهت حكومتي منذ 1965 إلى أنها تنوي احتلاله[1] كنت أعارض دائماً الحرب مع إسرائيل أعرف فيها إننا خاسرون[2]..)

ويتابع الجندي: (آرائي كلها دون استثناء كانت ضد الحرب، لم أخف أبداً أن الحكم يعد لهزيمة، لا لاسترداد فلسطين. (نعم ! نعم..) لم تكن هنالك أية مبادرة للنصر، ولا أعني أنه كان يعد لهزيمة نفسه.. وإنما لهزيمة العرب الآخرين، كي يبقى (الثوري) الوحيد، سيد المناخ الثوري العربي..). ثم يقول: (وكنت مؤمناً ـ ومازلت ـ أن إسرائيل ليست حريصة على الاعتراف بها، ولو شاءت لحصلت عليه، لأنه يفقدها مبرر الدفاع عن نفسها، واحتلال أرض سنة 1970[3]).

(لم إذن اختارني الدكتور ماخوس لهذه المهمة، وهو لم يعدم الأشخاص ولا الوسيلة للاتصال بإسرائيل؟ ثارت أقاويل في باريس نفسها عن أمين منظمة الحزب التابعة لدمشق. وأنا ـ وهنا بيت القصيد ـ متأكد من أن اتصالات جرت عن طريق أكثر من دولة (ثالثة) وفي أكثر من عاصمة). ثم يقول: (عندما نتتبع فصول معركة الجولان، نجد أن العسكريين الذين قاوموا، فعلوا دون أوامر، أما الذين صدرت إليهم الأوامر فقد انسحبوا بناء على خطة.. ترى ما هي الخطة ؟

تم إخلاء الجولان من السكان منذ 5 حزيران.. لماذا ؟

لست بحاجة للقول إن إعلان سقوط القنيطرة قبل أن يحصل أمر يحار فيه كل تعليل تبنيه على حسن النية.. إن تداعي الأفكار البسيطة، يربط بين عدم وقف إطلاق النار والحدود سليمة[4]، والإلحاح بل الاستغاثة لوقفه بعد أن توغل الجيش الإسرائيلي في الجولان، ويخلص إلى الاستنتاج بوجود خطة.

فوجئت لما رأيت على شاشة التلفزيون (في باريس)، مندوب سورية في الأمم المتحدة (الدكتور جورج طعمة) يعلن سقوط القنيطرة، ووصول قوات إسرائيلية إلى مشارف دمشق، والمندوب الإسرائيلي يؤكد أن شيئاً من ذلك لم يحصل[5].

إذن.. كانت هناك لقاءات مع مسئولين إسرائيليين.. وبوساطة أكثر من دولة ثالثة.. وقبل حرب حزيران التي نفذت فيها المسرحية اللئيمة.. فما الذي دار في تلك الاجتماعات.. ومن الذي نفذ هذه اللقاءات ؟؟

هذا جانب ستكشفه الأيام تباعاً.. وعلى الذين يعون، متابعته وتقصيه.. خشية أن يضيع بين الركام الهائل الذي تقذف به المطابع والإذاعات كل يوم..

2ـ وتتحدث ألسنة الطامعين في أوساط السوريين.. عن أمر لا يقل خطورة عن هذا الذي صرح به الجندي..

يقول الملازم الأول: (. . .)[6]، عضو الوفد السوري إلى لجنة الهدنة المشتركة.. ما يلي:

(إنه استدعي إلى مكتب الدكتور يوسف زعين، رئيس الوزارة البعثية، بتاريخ 9 حزيران 1967 الساعة العاشرة ليلاً.. فوجد عدداً من أفراد لجنة الرقابة الدولية في مكتب الزعين، برفقة السفير (. . .) في دمشق. فكلف الضابط المذكور بالترجمة بين رئيس الوزارة ومخاطبيه..

قال السفير: إذا لم تسحب القيادة السورية قواتها من الجولان.. فإن القوات الإسرائيلية لن ترضى هدفاً يتوقف زحفها عنده إلا دمشق..

وهنا سأل الزعين: وما هي الحدود التي تريد إسرائيل الوقوف عندها ؟..

أجاب السفير: هل عندكم خريطة ؟..

فأبرز الملازم الأول المذكور خريطته، وهنا وضع السفير عدداً من النقاط التي يجب أن يمر بها خط الحدود الجديد.. وتتوقف عنده القوات الإسرائيلية إذا قامت السلطات البعثية بسحب قواتها خارجاً عنه.

وافق الدكتور زعين (يقول الملازم الأول المترجم).. ووعد السفير بتحقيق ما طلب.. وغادر الجميع مكتب رئاسة الوزراء على هذا الأمل..

 وفي الساعة التاسعة والنصف من صباح اليوم التالي.. صدر بلاغ سقوط القنيطرة، على النحو الذي شرحناه وأوضحناه في أكثر من موضع..

وفي الوقت نفسه كذلك ملأت جو الجولان الشائعات الخانقة.. عن أوامر  الانسحاب المزعومة.. فكان الهروب الكبير.. ودخلت القوات الإسرائيلية أرضنا الكريمة.. راكبة في نزهة عسكرية.. دونما خوف من صدام حقيقي يشتتها أو يفنيها..!

3ـ ... وتأكيداً وتوضيحاً لهذه اللفتات السريعة نحو جوانب من الوجه السياسي للمؤامرة.. لابد من أن أثبت ما قاله بعض المسئولين البعثيين.. عقب وقوع الجريمة..

(أ) فأول هذه التصريحات اللئيمة.. صدرت من الدكتور إبراهيم ماخوس..وزير الخارجية البعثية، وكان ذاك في أروقة مجلس الأمن.. في دورته التي عقدها عقب حرب حزيران، لمناقشة ما حدث.

كان المندوبون والمسئولون العرب يتحدثون بذهول عن الذي وقع.. إلا ماخوس إياه.. ماخوس هذا.. يقول بلهجة الـ (. . . ) حين تحاول تهوين المصيبة على عذراء فقدت شرفها في ساعة طيش.. طمعاً في جرها إلى وحل العهر لتشاركها العيش فيه.

باللهجة هذه.. يقول ماخوس.. وأمام عدد كبير من المسئولين العرب.. وجواباً على قول أحدهم: (إنها فاجعة كبيرة.. ونحمد الله إن إحدى العواصم لم تمس..) فأجاب ماخوس، بصفاقة عجيب.. (.. وهل في ذاك غرابة لو حصل ؟.. إن الغريب في الأمر أن العواصم لم تسقط.. وإننا من جهتنا ـ يقصد مسؤولي حزب البعث ـ كنا عاملين حسابنا على أن دمشق ستسقط بيد العدو..).

(ب) وفي أحد الاجتماعات الحزبية التي أعقبت الجريمة.. يقول ماخوس أمام (الرفاق) (لا تنسوا أن الهدف الأول من الهجوم الإسرائيلي هو إسقاط الحكم التقدمي في سورية، كل من يطالب بتبديل حزب البعث، عميل لإسرائيل..).

(ج) وكذلك في أحد الاجتماعات البعثية وبعد أن هزت الجريمة ضمائر بعض الحزبيين المغرر بهم.. والذين مازالت فيهم بقية خير.. طلب بعضهم من المسئولين توضيح ملابسات سقوط الجولان.. وأصروا على وجوب تقصي الحقائق حول إذاعة البلاغ الفاجر..

وفي نطاق تلك التساؤلات.. وجه بعضهم سؤالاً حول هذا الموضوع إلى اللواء أحمد سويداني، قائد الجيش السوري يوم المحنة.. فأجاب: (أنا.. كمسؤول لم أستشر في البلاغ الذي أعلن سقوط القنيطرة.. وكمواطن.. سمعته من الإذاعة كغيري..!)

فمن هي اليد الخفية التي وقعت ذلك البيان وأمرت بإذاعته ؟

ستبدي ذلك الأيام.. مهما طال الوقت.. وإن غداً لناظره قريب !

4ـ (.. ظهر الخامس من حزيران[7]،  اتصل سفير دولة كبرى في دمشق بمسئول كبير ودعاه إلى منزله لأمر عاجل وهام !! وتم الاجتماع في الحال، فنقل السفير للمسئول السوري نص برقية عاجلة من حكومته، تؤكد أن سلاح الجو الإسرائيلي قد قضى قضاء مبرماً على سلاح الجو المصري وإن المعركة بين العرب وإسرائيل قد اتضحت نتائجها منذ التاسعة من ذلك الصباح، وإن كل مقاومة أرضية ستورث خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات لا مبرر لها، وأن إسرائيل لا تنوي مهاجمة النظام السوري، بعد أن يستتب لها تأديب جمال عبد الناصر! وبانتهاء الزعيم المصري.. تتفتح الآفاق العربية أمام الثورة البعثية من المحيط إلى الخليج، وأن إسرائيل ـ من قبل ومن بعد ـ بلد اشتراكي يعطف على التجربة الاشتراكية البعثية.. وخاصة البعثية العلوية، ويمكنها أن تتعايش وتتفاعل معها لمصلحة الكادحين في البلدين.. وقد يكون ذلك منطقياً نحو تسوية نهائية على أسس الأخوة الاشتراكية، ولذا فمن مصلحة سورية.. مصلحة الحزب ومكاسب الثورة، أن تكتفي بمناوشات بسيطة لتكفل لنفسها السلامة!

وذهب المسئول السوري ليعرض ما سمعه لتوه على رفاق القيادة القومية والقيادة القطرية.. إلى آخر القيادات ؟ وكانت الطائرات الإسرائيلية في تلك اللحظة تدمر المطارات السورية والطائرات الجاثمة ـ براحة ـ فوقها، مما أضفى على الموقف جو المأساة !

وعاد الرسول السوري، غير بعيد، ليبلغ السفير استجابة الحزب والحكومة والقيادات، لمضمون البرقية العاجلة ! وهكذا !..

غير أن إسرائيل بعد أن أنهت العمليات الحربية في الجهتين الجنوبية والشرقية، اتجهت بثقلها إلى الجبهة الشمالية، بعد أن مهدت لهذه الحركة المفاجئة بحرب نفسية، فسقط خط (ماجينو) السوري، دون قتال، وسحبت القوات الأمامية لحماية مكاسب الثورة.. وبطولات الحاكمين في دمشق !

وقال معلق راديو دمشق ذلك المساء: (الحمد لله[8] لقد استطاعت قواتنا الباسلة حماية مكاسب الثورة أمام الزحف الإسرائيلي ! الحمد لله الذي أفسد خطة العدو وقضى على أهدافه الجهنمية ! .. إن إسرائيل لن تحقق نصراً يذكر، مادام حكام دمشق بخير !!

وليت شعري، ما الذي كان يعيق إسرائيل عن المضي في فسحة إلى دمشق! ولكنها لا تريد، ولن تريد، إذ ليس في الإمكان أبدع مما هو كائن.

5ـ (.. ولما كنت أعتقد أن المبرر الوحيد لغلطة ترتكب هو الدرس الذي يمكن استخراجه منها، يهمني أن أوضح هنا ـ دون أن أحاول إلقاء مسئولية الفشل المشترك على فريق معين ـ أن عاملين اثنين، أوصلانا ـ والنزاع في مستهله ـ إلى ما انتهينا إليه، وجعلانا ندفع الثمن غالياً.

فمن جهة فوت علينا تأخر الطيران السوري في التدخل فرصة ذهبية، كان يمكن أن ننتهزها لقلب الموقف لمصلحة العرب. فلولا تردد السوريين، لكنا قد بدأنا عمليات القصف الجوي في وقت مبكر، ولاستطعنا اعتراض القاذفات المعادية وهي في طريق عودتها إلى قواعدها، بعد قصفها القواعد المصرية وقد فرغت خزاناتها من الوقود ونفذت ذخيرتها، وكان بإمكاننا حتى مفاجأتها وهي جاثمة في مطاراتها تملأ خزاناتها استعداداً لشن هجمات جديدة، فلو قيض لنا ذلك لتبدل سير المعركة وتبدلت نتائجها..)

(الزمن وحده سيعطي تفسيراً لمسائل عديدة، لكن ما تأكدت منه هو أن الطيران السوري لم يكن مستعداً يوم 5 حزيران للحرب..)

(.. لأننا كنا ننتظر السوريين، فبدون مساعدة طائراتهم الميج لا يمكن أن يسفر قصف قواعد إسرائيل عن نتيجة مهمة، ومنذ الساعة التاسعة ـ من صباح الخامس من حزيران ـ اتصلت قيادة العمليات الجوية بالسوريين، فكان جوابهم أنهم بوغتوا بالأحداث، وأن طائراتهم ليست مستعدة، وأن مطارداتهم تقوم برحلة تدريبية، وطلبوا إمهالهم نصف ساعة، ثم عادوا وطلبوا إمهالهم ساعة، وفي العاشرة والدقيقة الخامسة والأربعين كرروا الطلب نفسه فوافقنا، وفي الحادية عشرة لم يعد بالإمكان الانتظار فأقلعت الطائرات العراقية من قاعدتها لتنضم إلى سلاحنا الجوي وتساهم في القيام بالمهمة المشتركة المنوطة بسلاح الطيران.

وكان من نتيجة الاستمهال المذكور من جانب السوريين، أن عملياتنا الجوية لم تبدأ إلا بعد الحادية عشرة صباحاً..)[9].

لنقارن بين هذا الكلام.. بل هذه الوقائع المخزية، وبين ما قاله المسئولون البعثيون، قبيل الحرب..

قالوا: (.. إن طائرات سلاح الطيران السوري، قامت بعدة رحلات استطلاعية فوق إسرائيل، كانت آخرها في 14/5/1967 وعند الظهر.. إن طائراتنا توغلت عشرات الكيلومترات في مهمة استطلاعية، وقد انطلقت المدافع المضادة، وصواريخ (هوك) الإسرائيلية على الطائرات السورية التي قامت بمهمتها وعادت إلى قواعدها..

إن سلاح الطيران السوري أصبح في المستوى الذي يمكنه من القيام بواجبه على أكمل وجه، وله مهمات محددة وموسومة بموجب الخطة الموضوعة..

إن سلاح الطيران السوري تطور تطوراً كبيراً بعد ثورة 23 شباط 1966 من حيث الكمية والنوع والتدريب، وأصبحت لديه زيادة كبيرة في عدد الطائرات[10]، وهي من أحدث الطائرات في العالم وأفضلها تسليحاً، كما ازداد عدد الطيارين وارتفع مستوى التدريب)[11].

كان هذا التصريح قبل الحرب بنصف شهر بالتمام والكمال، فماذا جرى لسلاح الطيران هذا، الجاهز، القوي، المدرب، الـ.. الـ.. إلخ. خلال نصف شهر، فقط، حتى فقد فاعليته وقعد كالأرنب الذي انخلع قلبه لمجرد رؤيته الثعلب متجهاً نحوه يريد افتراسه ؟..

ولكن.. تكفي الإشارات العابرة، التي تصدر من صحافة العالم المطلعة على أكثر مما نستطيع نحن الاطلاع عليه من بواطن الأمور..

ولنستمع مجلة (تايم) وهي تقول:

(.. أنقذ الهجوم الإسرائيلي على سورية، خلال حرب حزيران، النظام البعثي المتطرف فيها..)[12].

6ـ وفي الختام.. لابد من لفت الانتباه إلى الذي يجري على خطوط وقف إطلاق النار كل يوم..

فبعد أن استعرضنا أكثر من رواية للمؤامرة، وبعد أن نقلناها ـ على ذمة رواتها ـ ودونما التعرض لها بالتفصيل وبالإثبات أو النفي، لأن ذلك غير ممكن بما لدينا من دلائل وحيثيات.. لابد لنا أن نثبت ـ للتاريخ ـ موقف القوات المتحاربة على جبهات القتال، في مواجهة العدو.

ففي الوقت الذي نرى فيه كل يوم تصعيداً متزايداً للصدام، وبالأسلحة المختلفة، وبالمستويات القتالية المتدرجة نحو الاتساع والشمول، على جبهتي مصر والأردن.. مع إسرائيل[13].

في هذا الوقت نجد الجو هادئاً هدوء عش الزوجية في فترة شهر العسل، بين الإسرائيليين وقوات حزب البعث.. لا يعكره إلا خلافات بسيطة كالخلافات التي تقع بين عروسين حول ما يجب أن يتعشيا، أو حول أفضل مكان يقضيان فيه السهرة.

وفي الوقت الذي نجد اليوم ـ وكل يوم ـ عشرات الرجال ينطلقون من الجبهات المختلفة، لضرب الوجود الإسرائيلي الدخيل في كل جانب على أرضنا.. نرى الحدود (الجديدة) بين سورية وإسرائيل، مغلقة في وجه كل التنظيمات الفدائية.. ومن يتحدث عن تحرير الجولان، أو العمل الفدائي على أرض الجولان.. يلقى مصيره الأسود على أيدي الجلادين من بني النصيرية المتسترين باسم حزب البعث.

وزيادة في التضليل، الذي برع فيه حزب البعث، وتمادى في سلوك سبيله إلى أبعد مما يمكن لأحد أن يمضي.. ناسياً أن تضليله فد عاد عليه بأبشع فضيحة، جعلته يبدو أمام الناس سخيفاً كسخف النعامة حين تدفن في الرغام رأسها لتوهم الصياد بأنها ضللته.

بمثل هذه الصفاقة والقحة.. يلجأ حزب البعث الحاكم.. المجرم إلى التضليل.. وإلى مطالبة غيره بمواقف الرجولة والبطولة التي عجز عنها.. حتى بدا مثل (...) تطالب الناس بأن يكونوا نساكاً.

بمثل هذه الروح التي تنز بالحقد، وتفيض بمعاني الإجرام يطالب حزب البعث غيره من الدول بأن تفتح حدودها لحرية العمل الفدائي.. بل ويرسل مجموعات من مرتزقته، ليؤدوا بعض العمليات التمثيلية عبر حدود الأردن ولبنان، لذر الرماد في العيون، ولتحويل الأنظار عن قصوره وفجوره وصفاء عيشه مع قوات إسرائيل التي احتلت الجولان وتمتعت بخيراته.

بهذه الروح.. يرسل حزب البعث أفراداً من وحداته النظامية متسترة باسم التنظيمات الفدائية (الصاعقة) ليشوهوا معنى الفداء، عبر حدود غيره من الدول.. بينما يغلق حدوده مع العدو في وجه كل تنظيم فدائي مناضل شريف، وكأنه لا يحكم بلاداً احتل العدو جزءاً منها.. وكأن تحرير تلك الأراضي ـ إن كان وارداً لدى حزب البعث كأمنية ليس إلا ـ يقع على كاهل غيره من الدول.. بينما يتمتع هو في الولوغ في الدماء والحرمات..

إن مثل هذه الأفعال.. تقع كل يوم، تحت سمع وبصر الأمة العربية المنكوبة.. ثم يبح دعاة حزب البعث حلوقهم.. يطالبون الأمة العربية بالفداء.. ويدعون أنهم.. أهل الحرب وحدهم، وهم الذين ما حاربوا.. ولن يحاربوا[14].. بل يسعون لجر الأمة إلى نكبة رابعة تزيدها إذلالاً.. وتضاعف التعداد من أبنائها المشردين.. وتقدم للعدو أرضاً جديدة يثبت عليها وجوده اللقيط.. !

هذا موقف نسجله دونما زيادة في التفاصيل.. فراغب الزيادة قادر عليها، ويجد ضالته في بطون الصحف.. وفيما تنقله كل يوم أجهزة الإعلام عبر إذاعات العالم.

هذا موقف لا نجد فيه إلا الحرص على رعاية الوجود الصهيوني على أرضنا.. تباركه قيادة حزب البعث وتسهر على راحته أجهزته العسكرية والمدنية على السواء.

ولكن هذا ليس هو ـ أبداً  ـ موقف المخلصين من أبناء الشعب.. فإلى هؤلاء.. وخاصة الرابضين في المخافر الأمامية والمواقع المتقدمة.. نطير صرخة استغاثة، ونطلق صيحة إنذار.. أن اقتدوا بإخوانكم في الأردن ومصر.. واضربوا الوجود الصهيوني.. افتعلوا الحوادث أنتم.. لتجروه إلى مجزرة عقب مجزرة.. لا تتركوا له راحة أبداً.. فإن سكوتكم هذا.. ليس له تفسير أمام الله والأمة.. إلا أنه التواطؤ.. أو الخنوع الذليل، تفضيلاً لمصلحة الرتبة والراتب.. على كرامة الأمة ومصيرها ومستقبلها.. وفي هذا لعمري من الجريمة ما يعدل التواطؤ.. إن لم نقل إنه يفوقه !


[1] - ونريد أن نسأل الجندي ذاك.. (ومن أين لك أن تعلم وحدك أن إسرائيل تنوي احتلال الجولان ؟).  

      كيف عرف الجندي بهذه النية المسبقة لإسرائيل قبل تحققها بعامين ونصف على الأقل، وفي وقت لم يكن يخطر ببال أكثر الناس إغراقاً في التشاؤم، أن الذي حصل سوف يحصل فعلاً ؟ والأغرب من هذا أن الجندي إياه.. تكلم عن نوايا إسرائيل، في احتلال الجولان قبل أعوام من وقوع الاحتلال، تكلم بهذا ليس بلهجة التنبؤ والتنجيم، بل بلهجة الجد (المحذرة المنبهة)، وفي جلسات رسمية تعقدها حكومته للنظر في تصريف أمور البلاد.. فمن أين للجندي هذا، أن يتكلم بهذا التأكيد المسبق قبل أعوام من وقوع الفاجعة ؟؟

     ثم ألم يكن في حكومته من يسأله عن مصدر معلوماته ليتأكد من صحتها وأهميتها.. أم إن حكومته كلها كانت في مستواه من الاطلاع والعلم (المسبقين) ؟؟

[2] - ومما يزيد في غرابة الأمر وخطورته أن الجندي هذا، يعترف، أنه كان يعارض في دخول حرب مع إسرائيل.. رغم تأكيده لحكومته أنها ستحتل الجولان. عجباً والله.. ماذا كان يريد الجندي من سورية أن تفعل إزاء نوايا العدو باحتلال الجولان، وعجزها عن الحرب للذود عنه ؟ هل كان يريد أن تدخل إسرائيل الجولان، دونما أية طلقة تطلق في وجهها ـ وحتى ولو كانت للتمثيل وذر الرماد في العيون ـ مادام لا مفر من احتلالها له، وعجزنا عن حربها ؟ =

=  نريد المزيد يا دكتور.. وأنت الذي تصرح في كتابك أنك ممن يعرفون الكثير.. ولكنك لم تتكلم حتى الآن بما يبرئك، بل وقعت في الفخ الذي نصبته للشركاء.. فنحن نطالب ـ نيابة عن الأمة كلها ـ بالمزيد من هذا الذي تعرف.. ففي المؤيد الذي توضح.. سيكون توضيح أكبر لجوانب المؤامرة أو أبعادها.. وكشف أهم الشركاء المستترين.. ويكون تأكيد جديد على ولوغ في الجريمة.. أو البراءة.. من يدري ؟

[3] - وبلهجة التنبؤ ذاتها. ولكنها ـ في هذه المرة ـ مشاعة على الأمة العربية كلها.. وليست محصورة في كواليس السياسة.. ويتنبأ سامي الجندي.. عن احتلال إسرائيل لأرض أخرى عام 1970.. ومادامت نبوءاتك يا (متنبئ النكبات).. لا تخيب.. فلم لا تدلنا على الأرض الأخرى التي ستحتلها إسرائيل في عام 1970 ؟ فنحصنها ونركز عليها الدفاع لنمنع نكبة رابعة ؟..

     إني لأظن أن هذا غير مباح التفوه به.. بل مطلوب منكم إيقاع الرعب والهلع في قلوب العرب قبل وقوع الأحداث بوقت مناسب.. وها أنت تتكلم عن الاحتلال القادم بلهجة المقرر الجازم الذي لا جدال حول ما يقول.. لتعطي لأقوالك في ضمير العربي، صورة القدر الذي لا مرد له.. فيستسلم العرب.. وييأسوا.. وينتظروا مصيرهم بذل وخنوع.. حتى يحين موعد الاحتلال القادم في عام 1970 ؟

    ثم أو لست أنت نفسك، الذي مهدت في كتاب سبق، وبعد النكبة مباشرة.. (بعد كل انتصار إسرائيلي يزداد عدد النازحين، وسيكونون ملايين بعد سنوات! (كتاب عرب ويهود ص25)، ثم جئت الآن تحدد موعد (ازدياد عدد النازحين.. وتجعله في سنة 1970؟) أنت لم تكتف بالإعلان، بل تقرر، في الصفحة نفسها: (الأمر الواقع يتطلب منا أن نقبل ما حدث، وما يمكن أن يحدث، أو أن نظل نواجه الذبح والتقتيل..؟) (أرجو ملاحظة هذه الـ (ما يمكن أن يحدث) وما بعدها) ثم تعلن يا جندي رغم كل ذلك.. (إني أرفض مع ذلك، ورغم كل ما حدث، أن أغمس ريشي في محبرة الحقد!). لا.. وبالطبع ألف مرة لا يا جندي ويا أمثاله.. أنتم ترفضون (الحقد) على اليهود الغاصبين الدخلاء.. وتمارسون أبشع أنواع هذا الحقد على أبناء أمتكم.. العرب أمثالكم.. أبناء وطنكم ورفاق صباكم.. زملائكم في الدراسة والجامعات والعمل.. بل وحتى زملائكم في النضال الثوري السياسي..! =

=   ضد كل هؤلاء المقربين الأقرباء.. يمارسون الحقد والإرهاب والتقتيل والتشريد ودوس الحرمات والمقدسات، ثم.. يرفضون أن (يغمسوا ريشهم في محبرة الحقد..) حين يعالجون قضية المصير الأولى لهذه الأمة.. قضية الصراع بيننا وبين اليهود الغزاة الدخلاء..! هل يمكن أن ترزأ أمة ما.. يأسوا من هذا الذي نرى ونسمع كل يوم..؟! ألا، خاب العرب.. إن لم يخيبوا ظن الذين أوحوا بهذه التنبؤات..!

[4] - قبل حصول الخرق يوم الجمعة 9 حزيران، وحيث كانت كل من مصر والأردن قد طلبتا وقف إطلاق النار.

[5] - النصوص هذه منقولة من كتاب (كسرة خبر) للدكتور سامي الجندي، الطبعة الثانية، صادر عن دار النهار للنشر، الصفحات (15 ، 16 ، 17).

[6] - لم تتح لي معرفة اسمه، ولو عرفته لذكرته، لأن ذلك ليس سراً، فالضابط المقصود، هو الآن موقوف في سجن المزة  العسكري في دمشق، فلقد سرح عقب الحرب، ثم أوقف لأنه بدأ يذيع بين الأوساط العسكرية المسرحة.. معلوماته عن هذا السر..!

[7] - النص هذا كله، منقول عن كتاب (المؤامرة ومعركة المصير) لسعد جمعة، أحد رؤساء الوزارة الأردنية السابقين، (ص 109 ـ 111)، الطبعة الثالثة.

[8] - عادوا يحمدون الله ويذكرونه بخير، وهم الذين طالبوا قبل هذا بأربعين يوماً، بأن يوضع مع الأديان وأمور أخرى، في متاحف التاريخ.

[9] - من كتاب (حربنا مع إسرائيل). أحاديث الملك الحسين ملك الأردن مع اثنين من الصحافيين. ص (51 ـ 52) نشر دار النهار بيروت.

[10] - حقاً إن لديهم زيادة كبيرة في عدد الطائرات، وهي مخزنة في العنابر، لأن جميع الإطارات الأصلية والرافدة لحزب البعث لم تستطع أن تقدم له خلال ربع قرن أكثر من عشرة طيارين، نصفهم على الأقل موقوف عن الطيران لأسباب صحية، أو لأسباب عدم الكفاءة كالفريق حافظ الأسد. بينما كان ومازال معظم طياري سورية مسرحين مشردين، ولذلك فإن الطائرات ستزيد حتماً عن حاجة البعث إلى الطيارين !!

[11] - جريدة الثورة ، العدد الصادر بتاريخ 20 أيار 1967.

[12] - مجلة تايم، عدد 23 حزيران 1967، (عن كتاب المسلمون والحرب الرابعة)، ص( 165).

[13] - وأخيراً في لبنان..

[14] - كما وصفهم الرئيس جمال عبد الناصر في أحد خطاباته بعد حرب حزيران.

يتبع

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ