العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 12 / 09 / 2004

 


الجولان ينادينا ـ 24 ـ

الوجه المشرق

 (... وقد وقع أثناء انسحاب اللواء المدرع السوري حادث طارئ كشف عن مدى الخسائر التي كان يمكن إلحاقها بالمدرعات الإسرائيلية لو قامت الدبابات السورية بالهجوم المعاكس.

لقد تعطلت إحدى هذه الدبابات بالصدفة، بعد تعطيل جنزيرها وكانت هذه الدبابات في أواخر الرتل السوري المنسحب، ولم يكن أمام قائد الدبابة إلا أن يحارب، فأدار مدفعه إلى الخلف واستطاع من مكانه، وخلال دقائق معدودة أن يدمر ست دبابات ويوقف تقدم الإسرائيليين، واستنجد العدو بالطائرات فدمرت الدبابة السورية الشجاعة بصاروخ جوي، لولا ذلك لاستطاعت تدمير 15 دبابة إسرائيلية على الأقل قبل أن تصاب وتحترق..).

 (من رواية لضابط لبناني شهد المعركة صباح 9 حزيران نشرتها مجلة الحوادث اللبنانية، العدد 604 تاريخ 7 /6 / 1968).

ـ 1 ـ

وجوه ناصعة للبطولة

وقد يعتقد البعض أن هذا الشعب قد فقد كل مقامات الأصالة والبطولة فيه.. وذلك، بعد الاطلاع على المخازي والجرائم التي حاولنا في صفحات سابقة، إبراز بعضها، والذي لم نستطع الوقوف عليه، أكثر وأدق وأعمق أثراً وأبعد خطراً.

ولكن الأصالة والنبل.. والشجاعة والرجولة، الصادقة غير المفتعلة قادرة على إبراز وجودها، ولفت الأنظار إليها، وتحقيق فعالياتها القادرة على إصابة الباطل بشروخ خطيرة، مهما علا واستكبر، ومهما كان زيفه محبوكاً ودقيقاً.. بحيث خيل إليها أنه قد قضى على كل بذرة من بذور الحق الوضاء، والنور الكامن في النفوس.. القادر على رفع رأسه فوق سحب الظلام المفتعل.

فهل عدمت الجبهة، رغم كل ذلك اللؤم والباطل.. عناصر وقفت بإباء ورجولة تدفع عنها طغيان ذلك السيل من خيانات المجرمين، وأرتال العدو الغازي الغريب ؟

أبداً.. وكما في كل لحظة يأس.. وكما في كل صولة باطل.. يقف الحق، ليبعث البطولة في صور متعددة الأشكال.. وصيغ مختلفة الأحجام هذه منها بعض النماذج:

1ـ لقد كانت في مقدمة تلك البطولات.. التي ستبقى الدهر، مفخرة هذا الشعب.. ورمز كرامة وعزة الجيش هي بطولات وحدات المدفعية م ـ ط.. التي عملت في أسوأ شروط أتيحت لها.. وحققت أعظم مردود كان يمكن لوحدات أفضل منها تدريباً وإعداداً.. أن تحققه، وساهمت مساهمة كبيرة في الحد من خطورة وفعالية طائرات العدو.. بعد أن غاب من الجو نسورنا، وعزلوا عن الحرب، ومنعوا من أداء واجبهم، وتركوا طاقات معطلة تغلي.. وهم يرون طائرات العدو تمرح في سماء البلاد.. وما من نسور تتصدى لها.

فالمدفعية المضادة للطائرات.. رغم حداثة عهدها.. ورغم ضعف تدريبها.. ورغم أن أكثر سدنتها كانوا من الاحتياطيين، ورغم أن أكثر ضباطها كانوا من غير الاختصاصيين.. فقد كان لها دور بطولي رائع واستطاعت أن تمنع الطائرات المغيرة من تحقيق إصابات فعالة، فوق كل هدف دافعت عنه وحداتها، وعملت بدون كلل.. وحققت المدافع أكثر من المردود المطلوب منها في المعدل الزمني الواحد، حتى احمرت سبطانات الكثير من المدافع لكثرة ما رمت وتشوه بعض هذه السبطانات ولم يكن لدى السدنة وقت كاف لتركيب السبطانات الاحتياطية.. وعجز المذخرون[1] عن حسن تلبية احتياجاتها، ووصلت إليهم الذخيرة مطلية بالشحم، ولكن ذلك لم يثن عزم الجميع، وقاموا بواجبهم خير قيام.

2ـ ومن روائع صور البطولة التي برزت، المقاومة الجبارة التي تصدت (للهجوم) المدرع الذي شنه العدو، وذلك حين اصطدم بنقطة استناد القلع.

دافع رجال هذا الموقع، كأفضل ما يمكن لرجال أن يدافعوا.. وكان القائد على رأس هذه القوة الصغيرة الرائد محمد سعيد يونس، واستطاعت هذه المقاومة الباسلة أن تحطم 36 دبابة، ولو نفذ الذي سبق أن قررته خطة العمليات، وقدمت لهذه المقاومة ـ وغيرها ـ الحماية والدعم، بالمدفعية والهجمات المعاكسة وكل أعمال القوات القتالية.. لتحطم الهجوم، وارتد المهاجمون، يلعقون جراحهم كالكلاب، ويلعنون قادتهم الذين زجوا بهم في وجه أولئك المردة من رجال الجيش السوري.

ولكن ما حيلة البطولة إن كانت وحيدة في وجه موجات متلاحقة من قوى الغزو الباغي ؟ وكيف يمكن للرجال الأشاوس أن يستمروا في ممارسة بطولاتهم.. مادام قادتهم يمارسون مختلف صور الخيانة والغدر بهم وبالبلاد ؟

ولقد استشهد الرائد البطل.. ومعه ضابط آخر..

فإلى هذا الرجل.. وكل الرجال الذين أدوا واجبهم.. سنؤدي واجب الشكر الآن.. وفي كل مناسبة ترجع فيها إلينا.. وذكرى صمودهم.. ومرارة الجريمة التي نفذت رغم إصرارهم على منع وقوعها..‍‍ !

3ـ وليس للبطولة أن تقتصر على الضباط.. أو غيرهم من الرتب.. فهي جوهر كريم.. قابع في كيان كل كريم.. يبرز باهراً الأبصار، متى أتيح له البروز.. سواء أكان صاحبه ضابطاً أم جندياً أم مدنياً.. فالبطولة والصمود، هما من نتاج الأصل الكريم.. والتربية البيتية الكريمة الأصيلة.. وليس للاختصاص أو الرتبة إلا تحديد مجال ظهورها، أو تحديد الحجم الذي يمكنه استيعابها.

ففي إحدى نقاط الدفاع، في تل شيبان.. قام مجند واحد.. نعم عسكري واحد، ومجند ـ من أبناء دير الزور ـ بتحطيم سبع دبابات للعدو.. وبماذا ؟ بسلاحه الفردي المضاد للدبابات، المسمى (القاذف ر. ب . ج).

4ـ وفي نقطة تل الفخار.. ذلك الموقع الذي ترك أثراً مريراً في قلوب القادة الإسرائيليين، طفحت به تصريحاتهم التي فاضت على ألسنتهم أمام مراسلي الصحف الأجنبية المختلفة...

في ذلك الموقع.. صمد الرجال.. وليت كل الرجال مثلهم.. أدوا واجبهم بشرف ما فوقه شرف.. وبروا بالقسم الذي سبق أن أدوه لأمتهم يوم أن ارتدوا لباس الجيش..

صمد الرجال.. بقيادة ضابطين، (النقيب نورس طه، وملازم أول لم يصل إلى اسمه)، وقاوموا بعناد لا نظير له ومنعوا قوات العدو المهاجمة من تخطي مجالات الرمي لأسلحتهم.. وقدمت هذه النقطة بفضل رجالها الأبرار.. أكرم وفاء لدين الأمة عليها.. ومات الرجال فيها، شهداء أبراراً، كراماً، ولم يتم للعدو متابعة احتلال الأرض إلا على جثثهم.. وبعد نفاذ ذخيرتهم.. وانعزالهم وتطويقهم، وفقدان الاتصال بأي قائد مسؤول.. فأطبقوا جفونهم على ثرى الأرض الحبيبة، والأيدي مشدودة إلى الزنادات.. تشكو إلى الله، خيانة الذين أوقفوا رجالها عن متابعة الضرب.. حتى يرتد العدو الدخيل.

5ـ وفي سهل المنصورة، تصدى شابان من رجال المنصورة لرتل الدبابات المتقدم نحو القنيطرة، وأطلقا على عربة القائد، وعلى تجمعات القادة حوله، خلال إصداره أوامر التقدم لدخول القنيطرة.. فماذا كان ؟

دب الذعر في صفوف الجبناء المتقدمين لاحتلال القنيطرة.. وتراجع رتل الدبابات الذي لا يقل عن 50 دبابة مسافة 3كم إلى الوراء، واحتل الخط (باب الهوى ـ عين الحجل)، ثم انتشر بتشكيلة القتال، وأصدر قائده أوامر الهجوم.. (الأكاديمية وكأنه سيهاجم موقعاً حصيناً)، ثم تقدم مستعملاً كل طرق الحذر والترقب والاستعداد للتدخل، وقد شمل خط الفتح[2] المسافة الآتية: يميناً السفح الشمالي الشرقي لتل العرام (وهو شمال غرب تل أبي الندى)، ويساراً طريق الأوتوستراد الواصل ما بين المنصورة ـ الحميدية.. وتابعت قوات العدو زحفها بغاية البطء.. وقد حيرها صمت المقاومة التي انبعثت في وجهها فأجبرتها على التراجع.

ولما عادت وأشرفت على المنصورة.. طوقتها، وأخذ قائد الرتل يخاطب سكانها بمكبرات الصوت، ويطلب منهم الاستسلام.. ولما أعياه أن يجيب أحد، طلب أن يخرج إليه وفد من السكان.. فقابله بعضهم، وسأله عن القوات والجيش، فأخبره أن الجيش انسحب، ولم يبق في المنطقة أحد من القوات.

عندها سأله قائد الرتل الإسرائيلي عن المقاومة التي سببت له أن يتراجع تلك المسافة، فضحك المنصوري وأعلمه أن تلك كانت فورة حماس من شابين، حصلا على بندقيتين من أسلحة الجيش الفار، فأطلقا على الرتل الإسرائيلي وسببا له ذلك الذعر كله، ولم تهدأ أنفاس القائد الغريب إلا حين اطمأن إلى أن هذين الشابين قد تراجعا، وأن البلاد أصبحت خاوية على عروشها، ولم يبق فيها إلا من لم يستطع الفرار، أو الذين تشدهم الأرض لها بارتباطات هي أعمق وأقوى من كل خطر، حتى ولو كان خطر الاحتلال الصهيوني.. بلؤمه وخسته.

كان ذلك الحادث، في الساعة الثانية والنصف من بعد ظهر السبت 10 حزيران.. وقد استغرق تراجع الرتل إلى خط الفتح عشر دقائق، بينما احتمل تقدمه (مجدداً) 5ـ6 ساعات، اجتاز خلالها مسافة لا تزيد عن 3 كيلومترات في حدودها القصوى، وكان ذلك بعد إذاعة بيان سقوط القنيطرة من إذاعة حزب البعث.

وبلغ مجموع الخسائر التي ألحقتها بتلك القوة، رصاصات الشابين المذكورين ما لا يقل عن عشرة رجال بين قتيل وجريح.

6ـ في الساعة الرابعة من مساء الاثنين (بعد الظهر) 12 حزيران.. كانت تتقدم كتيبة دبابات إسرائيلية (40 دبابة)، على طريق (الرفيد ـ الجويزة ـ القنيطرة) وباتجاه القنيطرة.. وما إن وصلت مقدمة الرتل (سيارة القائد) إلى مشارف الحرش المحيطة بقرية (الجويزة)، حتى أصلته نيران المقاومة جحيماً أوقف الرتل بكامله، فتوقف، وانتشرت الدبابات واستنجد القائد بالطيران.. وجاءت طائرات (الهليوكوبتر) وفلحت أرض الحرش كلها برشاشاتها.. حتى اطمأنت إلى إخماد المقاومة.. واستمر ذلك التوقف حتى صباح الثلاثاء 13 حزيران.. عندها عادت إلى قائد كتيبة الدبابات الإسرائيلية أنفاسه، وعاود التقدم لإكمال احتلال القنيطرة.

ولقد قام بعض الذين أعرفهم بسؤال النازحين من أبناء الجويزة، عن تلك المقاومة، التي عطلت إكمال احتلال القنيطرة مدة لا تقل عن 18 ساعة فعلموا أنه شاب من أبناء القرية، أطلق من إحدى البنادق التي وجدها كثيرة في الأرض (بنادق الجيش الهارب)، ولما نفذت الذخيرة التي كانت في البارودة، أكمل تراجعه باتجاه القنيطرة.. ثم دمشق.

7ـ وفي فترة الحرب، حشدت إحدى كتائب جيش التحرير الفلسطيني، في الرفيد، وقد تمكن بعض رجال هذه الكتيبة من إسقاط قاذفة إسرائيلية بأسلحتهم الفردية.. ولكن الطيار تخلى عن طائرته وسقط بالمظلة.

هرع بعض رجال الكتيبة لأسر الطيار.. فجاءت أربع طائرات مطاردة وهاجمت الكتيبة، واضطر الرجال إلى الاحتماء بالأرض تفادياً لنيرانها.. عندها استغلت تلك الفرصة طائرة هليوكوبتر للعدو، وأنقذت الطيار من الأسر أو القتل.

8ـ استطاع أحد ضباط الصف، من قوات المدفعية م ـ ط المتمركزة على تل (أبي الندى)، وهو المساعد عدنان الداغستاني قتل أحد الطيارين خلال هبوطه بمظلته، يعد إسقاط طائرته ثم استشهد المساعد فعليه رحمة الله ورضوانه.

9ـ وفي حرش الجويزة، كان واحد من الأبطال (مساعد لم يصل إلى اسمه) يعمل على مدفعية مضاد للطائرات، استطاع إسقاط أربع طائرات ميستير بمدفعه وحده (عيار 14.5مم رباعي السبطانات)، ثم فاضت روحه الكريمة بعد أن هاجمته أربع طائرات ميراج بصواريخ النابالم فأحرقته ومدفعه.

10ـ لا يفوتنا في حديثنا عن صور البطولة الرائعة التي برزت خلال تلك الأيام العصيبة، أن ننوه بالروح التي كانت من العسكريين المسرحين..

هؤلاء العسكريون، الذين سرحتهم سلطات البعث، في نطاق خطتها التي اتفقت عليها مع الإسرائيليين، تمهيداً لوضع الجيش والشعب والبلاد كلها، في وضع صالح لتقبل الهزيمة.

العسكريون الذين لم ينج أكثرهم خلال حكم سلطة البعث، من العنت والأذى، تسريحاً ثم اتهاماً بالعمالة للأجنبي أو مصادرة الأموال، أو ملاحقة وحرماناً من الراتب، أو سجناً وتعذيباً بلغ حدود التشويه في كثير من الحالات أو حكماً بالسجن أو بالنفي أو بالإعدام..

هؤلاء المسرحون.. الذين دربهم الجيش ذخراً له لساعة من ساعات المحنة كالتي كانت يوم المسرحية التي أسموها حرباً..

هؤلاء العسكريون.. الذي أبعدوا عن حقل فعاليتهم الحقيقي، وعزلوا عن المشاركة في الحرب.. وحملوا فيما بعد ـ مع باقي فئات الشعب ـ أوزار الهزيمة التي لم يكن لهم فيها مطلق دور، ولم يسمح لهم بأي نشاط لمنعها أو وقفها عند حدود أقل مما كانت..

هؤلاء المسرحون لا لشيء، سوى أنهم رفضوا الموافقة على صفقة بيع الجولان، وتحدوا حزب البعث المجرم وحاولوا تنحيته لمنعه عن تأدية ذلك الدور الخطير..

رغم كل هذا وذاك، لم ينسوا بلادهم وجيشهم وجولانهم الحبيب، يوم المحنة.. فتقدم أكثرهم إلى قيادة الجيش، واضعاً نفسه تحت تصرفها للدفاع عن البلاد، ولكن القيادة (شكرتهم) وطلبت منهم البقاء في بيوتهم وكأنهم من ذوات الخدور..

وقد تنوعت صور البطولة خلال المحنة التي أنست هؤلاء كل جراحهم، فجعلتهم يتقدمون للذود عن حياضهم.. رغم خيانة المجرمين.. أهل السلطة.

ـ فمنهم من تطوع في الدفاع المدني، للمساهمة في حماية المواطنين، والتخفيف من خسائر الحرب، وخاصة في المدن الكبيرة.

ـ ومنهم من التحق ببعض المنظمات الفدائية، للمساهمة في العمل على مؤخرات القوات الإسرائيلية، فيما إذا حاولت متابعة التوغل داخل البلاد.

ـ ومنهم من التحق بإحدى وحدات الاحتياط، طائعاً مختاراً. وهؤلاء كانوا قلة، لأن التحاقهم يتوقف على موافقة القيادة، أولاً وأخيرا.. والقيادة لا ولن توافق إلا إذا اطمأنت إلى الذين يطلبون الالتحاق بالخدمة، بأنهم لن يعملوا ضدها.

ـ ومنهم من شكل ـ ببداهته ـ مجموعات للدفاع عن المدن، وخاصة دمشق، بعد أن هجرتها القوات والسلطات البعثية وتخلت عنها، وتركتها مفتوحة في وجه القوات الغازية.

ـ ومنهم من قابل بعض القادة المسئولين في دمشق، وألحوا عليهم بوجوب تناسي الخلافات، ودعوة كل الضباط للخدمة في ذلك الظرف العصيب.. ولكنهم ـ هكذا أرى ـ كانوا يجهلون أنهم يطلبون الدفاع عن البلاد، من مجرمين يملكون كل التصميم والتخطيط المسبق لتسليمها إلى عدوها، مقابل ثمن بخس قبضوه، فاستحقوا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.

ـ وحتى المشردين خارج البلاد، الملاحقين المحكومين كانوا يتحرقون ويتميزون غيظاً للقيام بواجبهم، فمن سبق منهم كان نصيبه السجن والمحاكمة وكان من أبرز هؤلاء الإخوان (عبد الرحمن، وعلي السعدي)، ومنهم من اتصل بالقيادة العامة، وخاطبوا الضابط المناوب.. وقد سمى نفسه (الرائد شريف)، وأبلغوه أنهم يريدون العودة إلى البلاد، والدفاع عنها، فطلب منهم التريث، ثم عاود الاتصال معهم، وأبلغهم قرار القيادة برفض دخولهم إلى الأرض السورية، الني كانت ـ تلك القيادة ـ تسلم منها جزءاً أغلى من حبة القلب إلى العدو الغريب الدخيل.

11ـ وفي ختام عرضنا لنماذج البطولة الصادقة، التي تأبى إلا أن تجد لها متنفساً في كل لحظة تطبق خلالها سوءات الجريمة، أو تحيق فيها الأخطار من كل جانب.

في ختام لحظات التسامى فوق مستوى الجريمة التي نفذها الفجار، وفي ساعة التجلي هذه، التي تبسط فيها البطولة أجنحتها فتظل المنكوبين، وتتسلل ذكرى الأبطال الذين أدوا ضريبة الرجولة.. فتلمس الجراح لمس الحنو المشبوب بالأمل في أن تعاود هذه الأمة الإنجاب..

في ختام هذا السرد الموجز، الذي استطعت الوقوف عليه من ملامح الأعمال البطولية التي أبرزت الوجه الحقيقي لهذه الأمة رغم ركام الخيانة والجريمة الهائل..

في الختام.. الذي أراه مسك الختام لهذه الصفحات. لست أجد خيراً من المرور بإجلال واحترام، قريباً من ذكرى أخي الأبطال.. وكريم الرجال.. العقيد أركان حرب كمال مقصوصة، مبيناً حقيقة البطولة التي كلفته حياته.

ولم تبرز رجولة هذا الإنسان النبيل في ميدان الحرب، لأنه لم يرسل للحرب.. بل برزت في ميدان قولة الحق، الذي هو ميدان لصولات سادة الشهداء..

العقيد كمال مقصوصة ضابط من الذين عينوا في مراكز التجنيد، والذين تقع دعوة الاحتياط في حدود مسئولياتهم.

ولقد استدعى إلى القيادة العامة (مبنى الأركان العامة في دمشق)، ليشهد اجتماعاً عقده الحزبيون.. ليقرروا سلسلة من الإجراءات والأعمال (للدفاع عن البلاد) وذلك بعد سقوط القنيطرة، وبعد أن أصبحت دمشق مهددة بالغزو الإسرائيلي.

وفي خلال المناقشة، طالبوه بدعوة لوائي احتياط من أبناء (دمشق، حمص، حماة، حلب). فاستغرب العقيد المذكور هذا الطلب.. ونية القائد الذي يطالبه إلى أن دعوة الاحتياط لا يمكن أن تتم على أساس هذا التقسيم (أبناء المدن، ومن الطوائف غير العلوية)، وأن دعوة الاحتياط عادة تتم على أساس مكلفي الأعوام (مثلاً مكلفي الأعوام 1960ـ1965) أو على أساس دعوة المعبأة سابقاً (مثلاً: اللواء 90، اللواء 80، اللواء 60 احتياط.. إلخ).

أما دعوة الاحتياط من أبناء مدن معينة، ومن أبناء طوائف معينة، واستثناء غيرهم من أبناء المناطق والطوائف الأخرى، فهذا أمر فريد من نوعه في تاريخ الجيش، ومستحيل التطبيق لأن أجهزة شعب التجنيد ومكاتب النفير، لا تملك الإحصاءات الجاهزة التي تمكنها من تنفيذ تلك الدعوة المريبة لبعض قوى الاحتياط.

عندها تصدى منطق التعصب والإجرام لمنطق الحق والإخلاص، فأصروا عليه أن ينفذ ما طلب منه وإلا.. ثم ألحقوه ببعض النعوت التي لا تليق بإنسان كريم.

.. وعلم العقيد المذكور ـ رحمه الله ـ أن الأمر مطبوخ مسبقاً، وأن هذه الجريمة الجديدة، معدة مهيأة لوضع صفوة شباب هذه المدن في وجه القوات الإسرائيلية المتفوقة، بغية تركها للعدو فريسة يقضي عليها، وبذلك يتم لهم إذلال تلك المدن، والقضاء على أي أمل لديها بالمقاومة.. وأدرك كذلك أنهم يريدونه لتنفيذ تلك الجريمة.. ليحمل وزرها، وينجوا ـ هم ـ أمام الشعب، فرفض، ورد التحدي، وأفهمهم أن هذه الجريمة لن تتم وهو حي، عندها عالجه أحدهم بإطلاق الرصاص عليه، فقتل على القور، وصعد إلى ربه مظلوماً ؟!

ولكن المجرمين.. بعد أن وجدوا البطل أصبح جثة هامدة، هالهم الأمر وحاروا كيف يغطون جريمتهم، فحمل وألقى من الطابق الثاني لمبنى الأركان وأشاعوا أنه (انتحر)، ونقل إلى المستشفى العسكري.. ثم سلمت جثته إلى ذويه،  ومنعوا من تشريحها، كما أجبروا على دفنه سراً دون أن تكون له جنازة أسوة بأي إنسان آخر.. وذلك خشية افتضاح الأمر، وانقلاب الجنازة إلى ثورة ضدهم.

رحم الله كمال مقصوصة.. فقد ذهب إلى ربه الذي نسأله أن يكتبه شهيداً من سادة الشهداء. قال كلمة الحق في وجه سلطان جائر، فمنع باستشهاده تنفيذ جريمة خطط لها البعثيون.. وفوت عليهم ما دبروا.. فجزاه الله عن هذا الشعب كل خير.. وعوضه فسيح جناته، وجعله قدوة لغيره من الذين لم تستيقظ فيهم كوامن البطولة حتى اليوم.

رحم الله الشهيد.. ورحم الله كل الشهداء الذين ماتوا ثابتين صادقين.. ولا رحم الله الذين ماتوا فارين مولين الدبر.. وشلت أيدي المجرمين الذين نفذوا تلك الجريمة الفريدة في تاريخ الشعوب.


[1] - المذخر: هو أحد سدنة السلاح الإجماعي، وواجبه تأمين نقل الذخيرة وتجهيزها في الأشرطة أو المخازن، وتقديمها إلى السلاح جاهزة للرمي.

[2] - خط الفتح، هو الخط الوهمي على الأرض، الذي تقوم القوات عليه بأخذ تشكيلات القتال، انتقالاً من تشكيلات المسير.

يتبع

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ