العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11 / 07 / 2004

 


الجولان ينادينا ـ 19 ـ

لمحات متنوعة

من صور الجريمة (1)

1ـ سبق أن أشرنا في فصل سابق إلى موضوع الملاغم... ولقد ثبت لدينا أن الملاغم هذه لم تنسف، ولو أنها نسفت لكان اليوم للجولان وضع آخر.. لأن نسفها كفيل بإيقاف العدو عن التقدم ساعات طويلة.. قد تكون وقتها كافية ليستعيد القادة المخلصون أنفاسهم ـ إن وجدوا ـ ويستجمعوا قواهم، ويتخلصوا من عناصر الخيانة.. ويسيطروا على قوات الجبهة فيديروا من جديد، قتالاً صحيحاً ضارياً، ربما كانت له آثار كبرى، في إحباط الصفقة المعقودة بين إسرائيل وحزب البعث.. والتي بموجبها بيع الجولان للعدو.

2ـ بعد البطولات التي قام بها سدنة الأسلحة المضادة للطائرات.. بدأت المأساة تمتد إليهم أيضاً، فبدأت الذخيرة تصل إليهم مطلية بالشحم، ولهذا أكبر الأثر في تأخير هذه الأسلحة عن تحقيق فعالياتها في الوقت المطلوب.. وذلك بسبب النقص الهائل في سدنة مستودعات الذخيرة، بسبب إهمال كبير ارتكبه قسم من إدارة وحدات المدفعية هذه، لأن واجب تنظيف الذخيرة من الشحم وإيصالها نظيفة صالحة إلى المدافع هو من مسئولية أجهزة الإدارة في هذه الوحدات.

3ـ في منطقة الجبهة، وفي القطاع الأوسط بين كفر نفاخ، والقنيطرة توجد مستودعات ضخمة جداً للذخيرة من العيارات والأنواع المختلفة.. محفورة في تل خنزير المرتفع (977).. وهذه المستودعات مخصصة لتزويد وحدات القطاع الأوسط بكاملها وأية قطعات أخرى تلحق على القطاع.. باحتياجها من الذخيرة.

ولقد كان مشهد استلام الذخيرة من هذه المستودعات، من أسوأ صور الإهمال والفوضى.. فلقد تزاحم مندوبو الوحدات لاستلام احتياجها من الذخائر، بينما لم يوجد في هذه المستودعات من المسئولين عن التسليم سوى مساعدين[1] اثنين، وهذا ما سبب في تأخير وصول الذخيرة إلى المدفعية والمدفعية المضادة للطائرات.. كان له أثر كبير السوء في معنويات الوحدات.. وسرعة تدخلها ضد قوات العدو وطيرانه.

4ـ في ألوية الاحتياط، التي حشدت للزج بها في المعركة.. والتي كلفت بالهجوم على أحصن منطقة دفاعية في إسرائيل كلها، (منطقة الجليل حتى صفد ـ الناصرة). في هذه الألوية.. كان أكثر من 90% من ضباط وحدات هذه الألوية، من غير المدربين مطلقاً على المهمات التي أوكلت إليهم..

فهناك ضباط احتياط لم يدربوا على أكثر من قيادة فصيلة مشاة، عبئوا في وظائف رؤساء عمليات كتائب[2]، ورؤساء أقسام عمليات في قيادات الألوية. وهناك ضباط كلفوا قيادة وحدات الهاون أو المدفعية مع أن تدريبهم في كلية ضباط الاحتياط، كان على أعمال المشاة، أو كان منهم من درب ـ منذ عشر أو خمس عشرة سنة ـ على الهاون القديم ـ الإفرنسي ـ ثم جيء به ليقود قتال وحدات هاون أو مدفعية من النوع الروسي حديث الصنع. ومن الضباط من كلف قيادة وحدات المدفعية م ـ ط ، وهم لا يعرفون عن هذا النوع من السلاح إلا اسمه فقط. ومن الضباط أيضاً من كلف قيادة سرايا أو فصائل مدفعية م ـ د ، بينما كان اختصاصه السابق هو الإشارة (أجهزة وطرق إقامة الاتصالات العسكرية).

هذا غيض من فيض.. من الذي يمكن أن يقال عن سوء تعبئة الاحتياطيين حسب الاختصاصات، وهذا مثال بسيط، اتخذنا فيه الضباط نموذجاً لنشرح بواسطتهم تلك الجريمة البشعة، وما يقال عن الضباط، يقال أضعاف أضعافه عن ضباط الصف والجنود.. فضاربوا الآلة الكاتبة عينوا رماة على مدافع الـ م ـ د أو الـ م ـ ط ، والذين قضوا خدماتهم السابقة حجاباً أو خداماً في بيوت الضباط، عينوا ممرضين أو نقالى جرحى، أو حتى سائقي شاحنات. والذي دربوا في خلال خدمتهم على الأسلحة الفنية والدقيقة والفعالة، أعفوا هذه المرة من خدمة الاحتياط. وهكذا كانت الألوية الاحتياطية ـ كما شاءت لها قيادة حزب البعث ـ عبارة عن حشد بشري متلاطم متنافر، جمعته الملابس، وفرقته النعرات والعداوات وسوء التدريب، وانعدام الاختصاصات.. فانفرط عقد تلك الكيانات ـ الصورية ـ عند أول تحليق قامت به طائرات العدو، وقصفت خلاله حممها على رؤوس هذه القوات.

5ـ لم تلجأ القيادة ـ رغم تهدد البلاد بالحرب ـ إلى إعلان التعبئة العامة، وخاضت الحرب ـ المسرحية ـ بقوات هزيلة مهلهلة، وباحتياط ضعيف غير مدرب وسيء التعبئة، اعتمدت في تعبئته على المقاييس الطائفية والطبقية، ووضعت هذه القوات في مقدمة الميدان، بينما تركت الوحدات والعسكريين (الموثوقين)، والمأمون جانبهم، في داخل البلاد، لتبقى قوة ضاربة بيد الحزب، يضرب بها أي تحرك قد يصدر من الشعب، لإزاحته وتطهير الأرض من مفاسده.

ولو أجرينا مقارنة بسيطة في وقفة قصيرة، بين الحزب الحاكم في سورية.. وحكام إسرائيل، لبدا لنا واضحاً البون المخيف في مفهوم الغيرة على البلاد، وإعطاء أمنها المحل الأول، قبل مصلحة وأمن الحزب أو الحكام.

فعلى الرغم من العداوة المستعرة بين ليفي إشكول ـ رئيس وزراء إسرائيل تلك الأيام ـ وبين موشى دايان.. فلقد كلف هذا الأخير، مهام وزارة الدفاع، وأعطي الصلاحيات الكاملة لقيادة الحرب ضد العرب، أي وضع موشى دايان ـ وقت الحاجة إليه ـ في موضعه الذي منه يستطيع أن يقدم أفضل خدمة لدولته وشعبه.

أما الحزب.. فقد أبعد ـ حتى أيام الحرب ـ أهل الاختصاص والخبرة، وأصحاب المصلحة الحقيقية في الحفاظ على تراب البلاد وصون أمنها والفئة الأكثر استعداداً للبذل والفداء لحمايتها، استبعدوا، وشردوا ولوحقوا وسجنوا، وحوكموا، وصدرت بحقهم أحكام شتى.

كل ذلك.. لصون أمن الحزب، وسلامة الحكام.. على حساب أمن البلاد، وسلامة أرضها وأهلها.

6ـ وأسوأ من ذلك، ورغم دعوة الاحتياط بالشكل السيء الذي شرحناه.. ورغم وضعه مشلولاً في مواجهة عدو مدرب خير تدريب، ويملك أحدث وأفتك الأسلحة، رغم كل ذلك، فقد كانت القيادة الحزبية الحاكمة، تمارس أبشع صور عدم الثقة بهذا الشعب، والخوف من أبنائه، فلم توزع الأسلحة والذخائر على الألوية الاحتياط المكلفة تنفيذ الهجوم على إسرائيل، إلا قريباً من قواعد الانطلاق.. في منطقة وادي حواء، وسنابر، والجمرك.. أي قريباً من العدو (1ـ 2) كم وحين أصبحت تحت رحمة طيرانه وضمن مدى رماياته بالمدفعية ـ وحتى الهاون ـ.

وليت الأمر وقف عند هذا الحد.. بل قامت قيادة الحزب المناضل بتطويق هذه الألوية بواسطة كتائب الدبابات، الجاهزة للتدخل ضدها ـ لا ضد العدو ـ خوفاً من تحرك مفاجئ، قد تقوم به هذه الألوية أو جزء منها لـ (ضرب الثورة وإعادة حركة التاريخ إلى الوراء)[3].

ولما حان وقت تسلم العدو للأرض التي باعها إياها الحزب الحاكم.. عادت كتائب الدبابات هذه لتحمي (الثورة) وتركت ألوية الاحتياط ـ فريسة سهلة ـ أمام العدو، فكانت إحدى صور الكارثة.

7ـ وحتى أوامر الانسحاب (المزعومة)... فلم تصدر بشكل رسمي ولم تبلغ بصورتها العسكرية الصحيحة إلى الوحدات... وإنما تم إبلاغها بصورة هامسة إلى الضباط الحزبيين، والقادة الكبار للتوجه إلى دمشق، وحضور اجتماعات حزبية،، الذين ما عتموا أن أداروا ظهورهم إلى وحداتهم، وولوا دبرهم للعدو، واتخذوا وجهة الهروب إلى دمشق، ومنها إلى حمص، لأن قيادة الحزب كانت قد عملت حسابها أن دمشق ستسقط بيد العدو الإسرائيلي.

وأما الوحدات.. وخاصة الأمامية أو المعزولة، أو المطوقة، فلم تبلغ شيئاً من أوامر الانسحاب هذه.. ومكثت أكثرها في أماكنهم حتى يوم الجمعة 9 حزيران.. فوجدوا أنفسهم وقد أصبحوا معزولين عن باقي الوحدات.. وأخذت أجهزة الهاتف تمارس البكم القاتل، وشعر الذين بقوا حتى ذاك التاريخ، أنهم قد أصبحوا مثل بقايا قافلة تخلى عنها قادتها وحادوها وأدلاؤها، بعد أن تسللوا ليلاً إلى واحات مجاورة. وتركوها مشتتة في مواجهة الإعصار المحرق.. فابتدأ الهروب الكبير.. بالشكل الذي شرحناه.

8 ـ والحديث عن الهجمات المعاكسة... حديث ذو شجون.. يجرح القلب، ويشحن النفس بالآلام المزمنة.

الهجوم المعاكس.. أو سلسلة الهجمات المعاكسة التي كان مقرراً تنفيذها، لسد الخرق، ورد العدو واستعادة السيطرة على الأرض. تلك السلسلة من الأعمال التي سبق أن قررت ودربت عليها الوحدات. سلسلة الهجمات المعاكسة تلك بقيت حلماً في مخيلة أمثالي من الذين يشكل الجيش والجولان جزءاً عزيزاً من حياتهم. وبقيت صوراً باهتة عن فرضيات رسمها قادة سابقون. ولكنها لم تنفذ على الأرض حقائق حية تبرز حيوية هذا الشعب المعطلة، وتشكل وفاء لدين كبير في عنق الجيش، يؤديه راضياً مختاراً.. إلى الشعب الذي وثق به وضحى من أجله بلقمة العيش، وخبز اليوم.

الهجمات المعاكسة، تلك الأعمال القتالية التي تمثل أعنف صور الإصرار على الاحتفاظ بالأرض ورد المهاجم إلى حيث جاء غازياً غريباً لم ينفذ منها شيء.. وإليك أخي.. الخفايا الغريبة التي تتعلق بموضوعها.

إنك لو عدت معي إلى صفحات سابقة.. لوجدت أنني قد شرحت أن من جملة ما تضمنته خطة عمليات الجبهة والجيش.. سلسلة من الهجمات المعاكسة تنفذها الوحدات ابتداء من سرايا النسق الثاني من كتائب النسق الأول، المحتلة الموضع الدفاعي الأول، ومروراً باحتياطات الألوية فاحتياطات قيادة الجبهة، وانتهاء باحتياطي الجيش.

ولكن هل نفذ منها شيء... ؟

إن الحديث عن الهجمات المقررة على مستوى احتياطات كتائب النسق الأول، واحتياطات ألوية النسق الأول، هو ضرب من ضروب العبث وإضاعة للوقت دون أية فائدة، فلقد بينا أن هذه القوات، لم تقاتل مطلقاً، ولم تنفذ واجبها الأول في إجراء وإدارة القتال الدفاعي الثابت.. بله تنفيذ ما سبق أن كلفت به.. من تنفيذ الهجمات المعاكسة، التي هي مرحلة من أكثر مراحل القتال تعرضاً للأخطار المختلفة.. وفي مقدمتها، الالتحام حتى بالسلاح الأبيض.

مثل هذا القتال، تنفذه وحدات مدربة، ذات عقيدة تقاتل عنها، وتحمل إصراراً عنيداً على طرد العدو ومنعه من السيطرة على الأرض، وتدمير قواه وشل فعالياته.

إذن فالألوية لم تقاتل، ولم تنفذ هجماتها المعاكسة المقررة، وأسوأ من ذلك قيادة الجبهة.

إن أسئلة ضخمة تتجمع الآن، لتطلق في وجه المجرمين الذين كانوا يقودون الجبهة.

ـ ماذا فعلت بالقوات التي سبق لها أن سحبتها من مواضع القتال المتقدمة. بحجة إخلاء الأرض لأولية الهجوم (على صفد)..، لاحتلالها قواعد انطلاقها ؟

ـ ماذا فعلت قيادة الجبهة.. هذه، بالألوية التي ألحقت على الجبهة. وفي مقدمتها لواء السويداء، وكتائب الصواريخ، وكتائب المدفعية الطويلة 122 ـ مم، وكتائب الهندسة و.. و.. إلخ ؟؟

ـ بل ماذا فعلت تلك القيادة.. بالوحدات التي هي أصلاً من ملاكها مثل كتائب مدفعية الهاوتزر[4] (122) مم وكتائب المدفعية الطويلة (122) مم ذات المدى الأقصى الذي يبلغ (21) كيلومترا.. وكتائب الهاون 120 مم وكتيبة الهندسة، وسرية قاذفات اللهب، وكتيبة المغاوير، و.. إلخ ؟؟

إني لأجد من العبث، محاولة الاستمرار في هذه التساؤلات.. لأن الجواب واضح مسبقاً، إذ كيف لقيادة أن تمارس سيطرتها على تلك القوات الضخمة، وفي وقت تجد فيها كبار قادتها.. قد ولوا دبرهم للعدو، وتركوا تلك الوحدات مشلولة عاجزة ؟

.. يبقى الحديث عن قيادة الجيش، واحتياطي الجيش.

ولقد سبق أن بينت كذلك، أن في خطة عمليات الجيش.. وفيما يتعلق بالجولان، هجمات معاكسة تنفذها مجموعة الألوية (29)، والتي تضم الألوية (72 المشاة المحمول، و18 المشاة، و90 الاحتياط، و70 المدرع، و37 المدفعية)[5]، بمعاونة كتائب كثيرة من الهندسة، والمدرعات.. والمدفعية، والإشارة وقاذفات اللهب وبمعاونة الطيران.

مثل هذا الهجوم المعاكس.. سبق أن دربت عليه الوحدات أكثر من مرة. ووضعت فرضياته في صلب خطة عمليات الجيش الخاصة بالجولان وكان يجب تنفيذه.

ولكن ما الذي حدث..؟

لست أدري إن كانت القيادة قد حشدت قوات مجموعة الألوية المذكورة كلها أو قسماً منها، أو أكثر، ولكن الذي وصل إلى علمي يقيناً أن اللواء السبعين المدرع[6]، كان قد حشد لهذه الغاية وتمركز في حرش بريقة ـ بير عجم قرب القنيطرة، في وضع الترقب لأداء واجباته.

وقبيل الاختراق الإسرائيلي للجبهة، الذي تم ظهر الجمعة 9 حزيران..

وفي صباح يوم الجمعة المذكور نفسه أصدر (اللواء) أحمد سويداني أمره إلى شعبة العمليات بوجوب تحريك اللواء السبعين وكتائب المدفعية والصواريخ لتنفيذ الهجوم المعاكس باتجاه (قنيطرة ـ واسط ـ القلع) ولكن رئيس شعبة العمليات اللواء عواد باغ، عارض الأمر، وفند خطأه، وأوضح للسويداني إن تحريك اللواء في وضح النهار، وفي أحوال انعدام الحماية الجوية الصديقة لتحركه.. وتحت سيطرة العدو الجوية التامة المطلقة على سماء الحرب.. أن تحريك هذا اللواء (وأية وحدات أخرى) نهاراً، وبصورة مكشوفة، يشكل جريمة كبرى، يكون من نتائجها إحراق وتدمير هذه الوحدات تدميراً تاماً.

فتراجع السويداني عن أمره، وأخذ عواد باغ على عاتقه تنفيذ الهجوم المعاكس في أحوال قتالية أفضل، ولذا فقد أصدر أمره إلى قائد اللواء السبعين.. (العقيد عزت جديد) وقادة كتائب المدفعية والصواريخ بوجوب التحرك ليلة 9ـ10 حزيران باتجاه (قنيطرة ـ واسط ـ القلع) لتنفيذ الهجوم المعاكس وطرد العدو المتقدم داخل أرض الجبهة.

إلا أن العقيد المذكور رفض تنفيذ هذا الأمر بحجة أنه ليس له أن يتحرك بدون حماية جوية، عندها ناقشه اللواء عواد باغ بأبسط الأسس القتالية الفنية، وأفهمه أنه جاهل بأبسط قواعد واجبه، وبين له أن تحركه ليلاً لا يشكل عليه أي خطر.. حتى إذا ما أتم احتلال خط الانتشار المقرر لإجراء الهجوم المعاكس (كل ذلك ليلاً)... وأصبح قريباً من وحدات العدو فإنه حين ينبلج الصبح، يستطيع تنفيذ الهجوم المعاكس، والالتحام مع العدو ثم مطاردته.. وبذلك يكون قد أصبح في وضع يحميه من ضرب طيران العدو.. لأن هذا الأخير لا يجرؤ على الضرب، لصعوبة تمييزه بين وحدات كل من الطرفين، ولارتفاع نسبة احتمال إصابته لوحداته ارتفاعاً كبيراً.

ولكن صوت العلم والحق والإخلاص الذي علا.. أخمدته رياح التآمر والإجرام، فلجأ العقيد المذكور إلى الاحتماء بوضعه الحزبي، والتطاول على أفضل شخصية عسكرية بقيت في الجيش حتى اليوم، واتصل مع كل من صلاح جديد، وحافظ أسد، وأعلمهما لما تم بينه وبين عواد باغ، أبلغهما مخاوفه من أن يحاول هذا الأخير إحالته أمام القضاء العسكري.. فطمأناه، وبددا مخاوفه وضاعت الجريمة في زحمة الجرائم، التي تلاحقت بصورة تحبس الأنفاس.

ثم ماذا فعل اللواء السبعون ؟

تحرك في الليل نفسه.. ولكن ليس في الاتجاه (قنيطرة ـ واسط) بل في الاتجاه (قنيطرة ـ دمشق)، وذلك لإنقاذ دباباته من التدمير بواسطة الطيران، لأن هذا اللواء، هو الوحيد الذي بقي في يد الحزب، أداة فعالة لإزهاق نفوس الأحرار من أبناء الشعب، ووصل إلى دمشق في الليل نفسه.. وانتشر في بساتين الغوطة وحدائقها، يخرب المزروعات ويدمر المحاصيل كل ذلك من أجل (حماية الثورة).

وأما كتائب المدفعية الصاروخية.. فقد دمرت، وفر سدنتها بعد القادة وفقد الجيش أحد الأسلحة الفعالة، التي كانت إلى ما قبل لحظة تدميرها من خيرة الاحتياطات.. بيد القيادة العامة، تتدخل بها في أي اتجاه مهدد.

والاستطلاع... ذلك الفرع الهام من فروع العمل القتالي، والذي تتوقف على درجة إتقان عناصره لواجباتهم، وعلى دقة المعلومات التي يقدمها نتائج، وبالتالي نتائج الحروب.

وعند الحديث عن الاستطلاع.. نجد أنفسنا مضطرين للعودة إلى الوراء عدة سنوات لنكشف للقارئ، جانباً من جوانب الجريمة التي ارتكبها حزب البعث، منذ أيام حركتهم التي أسميت 8 آذار.

فمنذ قيام حركة آذار المذكورة، عين في وظيفة رئيس قسم الاستطلاع لقيادة الجبهة، ضابط احتياطي برتبة ملازم أول[7] اسمه نشأت حبش.

ونشأت حبش هذا.. شاب (بعثي)، من قرية جباتا الخشب، وشقيق السيد مروان حبش، عضو القيادة القطرية الحاكمة في سورية.

والاختصاص الأساسي لنشأت الحبش هذا، معلم مدرسة ابتدائية. ثم اتبع دورة كلية ضباط الاحتياط التي تؤهله لقيادة فصيلة مشاة.. وسرح بعد انتهاء خدمته العسكرية، ثم رفع رتبة ملازم أول احتياط.. واستدعى عقب الثامن من آذار، وسلم وظيفة رئيس قسم استطلاع الجبهة، واستمر في هذا العمل كل تلك المدة، حتى يوم تسليم الجبهة في ـ10 حزيران 67ـ.

وبعد هذا الاستطراد الذي كان لابد منه.. نعود إلى عمل الاستطلاع خلال أيام الحرب

فأما بالنسبة لأقسام استطلاع الألوية فلم يظهر لها مطلق أثر.. وضاع ضباطها وعناصرها في زحمة الفوضى والهرب والانسحابات الكيفية التي وقعت.

وأما ما سبق أن قرر، من خطط الاستطلاع، وردت في خطط عمليات الألوية (القطاعات).. فهذا حدث أحلام.. ورؤساء الاستطلاع المسئولون، لم يكونوا يدرون عنها شيئاً. لأن خطط الاستطلاع هذه كانت قد حفظت في مصنفات الوثائق التي خلفها عهدا (الوحدة، والانفصال)، بينما في عهد الثامن من آذار، لم يعد من ضرورة لمتابعة خطط الاستطلاع، وتحقيقها، وتدريب الوحدات عليها.

إن ذلك قد أصبح من آثار العقلية (الرجعية) السابقة، أما أهل الثامن من آذار.. فقد ارتفعوا فوق ذاك المستوى.. إلى مستوى كوهين.. وشركائه الذين كشفوا والذين لم يكشفوا بعد.

وأما الاستطلاع في الألوية الاحتياط، التي كلفت الهجوم، ثم الدفاع، فلست أدري إن كان قد عين في قيادتها ضباط استطلاع.. ليقوموا بهذا الواجب أم لا.. وأغلب الظن أنه لم يعين لها أحد لهذه الوظائف وإن كان قد عين لها أحد، فهل يمكن أن يكون خيراً، من نشأت حبش الذي عين رئيساً لاستطلاع أخطر وأكبر مجموعة قوات، تحمل أخطر وأكبر عبء في البلاد ؟؟

وأما سرايا استطلاع الألوية.. فلم يك وضعها خيراً من وضع باقي القوات، سوى أنها كانت مزودة بناقلات للجند مدرعة (ب . ت . ر)، وكانت هذه الآليات صالحة لنقل سرايا الاستطلاع هذه إلى مناطق أمينة خارج حدود أرض القتال.. ففرت مع الفارين، ولكن الطيران المعادي أدركها ودمر الآليات وأكمل الفارون زحفهم على الأقدام.

واستطلاع قيادة الجبهة، كان مشلولاً عاجزاً.. قدم سلسلة من التقارير المشوهة الضعيفة في مستوى صحة معلوماتها، وكان أبرز التقارير التي رفعها إلى القيادة تقرير كان تاريخه الجمعة 9 حزيران ويفيد بأن العدو قد حشد في مواجهة القطاع الشمالي حوالي 60 دبابة[8] (لنا عودة لهذا الموضوع في صفحات قادمة).

أما المعلومات عن: (نوايا العدو ـ قطاع الخرق المحتمل ـ الاتجاه الرئيسي المحتمل للهجوم ـ كثافة[9] قوات العدو ـ مناطق تجمعه.. قاعدة انطلاقه.. إلخ)،  هذه المعلومات التفصيلية الدقيقة، التي هي من صميم عمل وحدات الاستطلاع، الحصول عليها وتقديمها إلى القائد في الوقت المناسب.. فلقد كانت أشياء يجهلها (الحبش) ذاك.. ولا غرو.. فهو لم يسمع بها كل حياته، فمن أين له أن يناقشها ويحصل عليها ثم يقدمها للقائد ؟

وحتى بعد إجراء القتال، وحين بدأت قوات العدو تدخل أرضنا الطاهرة.. كان من أكبر الواجبات المستمرة على الاستطلاع، أن يحدد بصورة دائمة للقائد، خطوط التماس مع العدو، وأعماله المستمرة، ثم الكشف عن نواياه للمراحل القادمة من القتال..

ولقد كانت القيادة العامة في دمشق.. جاهلة كل الجهل، كل ما يفيدها عن خطوط التماس مع العدو، وعن أعماله وكانت ـ وكأنها قيادة جيش آخر يقع في الصين مثلاًـ تجهل كل شيء، عن الوضع القتالي القائم في الجبهة، رغم تحرك بعض القادة إلى مراصدهم المتقدمة.. ولكن ذلك لم يفد شيئاً، وبقيت قيادة الجيش في دمشق تسمع أخبار تحركات العدو، من الإذاعة السورية[10].. كل ذلك بفضل ضباط الاستطلاع (النموذجين) أمثال: نشأت حبش في القنيطرة وسهيل الحسن في دمشق.

10ـ ولو عدت معي أخي إلى صفحات سابقة، لوجدت أنني كنت ذكرت أن من جملة ما تضمنته خطة العمليات، وضمن نطاق خطة الدفاع م ـ د هو عمل قاذفات اللهب الثقيلة، ومفارز السدود المتحركة.

فماذا جرى يا ترى...

قاذفات اللهب الثقيلة، تركت في أرضها، واستلمها العدو جاهزة ليحولها إلى صدر أبنائنا، ولم توجد الأيدي التي كانت لديها القدرة على ضغط زنادها، لتقذف حمم النيران (النابالم) فتحرق وتدمر دبابات العدو.. وخاصة في القطاعين الأوسط والجنوبي.

وأما مفارز السدود المتحركة (انظر شرحها في فصل الإعداد المسبق) فلم تعمل ابدأً.. وتركت الآليات (ب . ت . ر) في أماكنها ملأى بالألغام الجاهزة، وهرب السائقون، وكان نصيب الآليات أن دمرت بطيران العدو، أو بقيت سليمة حتى جاءت مفارز جمع الغنائم الإسرائيلية، وأخذتها في جملة ما غنمت من أسلاب.. تركها جيشنا (المظفر).



[1] - المساعد: هي رتبة من الرتب العليا في صنف ضباط الصف. وتعادل في الجيوش العربية الأخرى رتبة الوكيل.

[2] - وظيفة رئيس عمليات كتيبة أو رئيس قسم عمليات اللواء، يشغلها ـ حسب الملاك ـ ضابط برتبة عقيد. فإذا علمنا أن الضابط لا يصل إلى رتبة عقيد إلا بعد قضائه في الخدمة على الأقل عشرين عاماً، يخضع خلالها لسلسلة من الدورات والاختبارات لا تكاد تنتهي، ويحضر الآلاف من التمارين والمناورات (بجنود وبغير جنود)، ويخوض العدد المتيسر من المعارك ـ إن وجدت.. إلخ. ندرك أهمية هذه الوظيفة وخطورتها، والمستوى المسلكي الراقي المطلوب توفره في من يكلف القيام بها. وإذا علمنا أيضاً، أن الاحتياطيين الذين كلفوا القيام بواجبات هذه الوظائف، لم يقضوا في الخدمة العسكرية أكثر من ثلاث سنوات، متقطعة، على أبعد تقدير، ولم يحضروا من الدورات أكثر من دورة قائد فصيلة، أو دورة قائد سرية، في القليل جداً من الحالات.

    إذا علمنا ذا أو ذاك.. ندرك أهمية الجريمة وخطورتها في تعيين أمثال هؤلاء الاحتياطيين لمثل هذه الوظائف، وخاصة، في فترة تكليف وحداتهم بواجبات قتالية خطيرة، هجوم على صفد، أو دفاع عن الجولان، في الوقت الذي ترك فيه الضباط المتخصصون ـ والذي انفق الجيش على تدريبهم مئات الملايين من الليرات ـ اقتطعت من قوت الشعب.. ليعدهم لمثل هذه الساعة، هائمين على وجوههم في الشوارع، أو محاصرين في بيوتهم يتلقون أنباء الفجيعة بواسطة أجهزة (الترانزيستور)، أو مشردين في أربعة أركان من الأرض، يبحثون عن لقمة العيش، يأكلونها بشرف وعزة نفس، لا لشيء.. سوى إنهم غير بعثيين.. وسوى= = إنهم، لو تركوا على رأس وحداتهم، يقاتلون العدو الغازي، لأشبعوه جراحاً وهزيمة، تضيع عليه نشوة احتلال سيناء وضفة الأردن الغربية.

[3] - من الجمل السخيفة التي تتردد كل يوم كثيراً من المرات على ألسنة وأقلام أجهزة الإعلام البعثية، خلال حديثهم عن (المؤامرات) التي تحيكها (الإمبريالية والرجعية وإسرائيل.. ‍‍‍!

[4] - مدفعية الهاوتزر: نوع من المدفعية، قصير السبطانة.. قصير  المدى نسبياً، يرمي نوعاً من الرمي هو أقرب إلى المنحنى.. وهو يكون عادة من عيارات مختلفة.. والموجود منه تحت تصرف قيادة الجبهة من عيار 122 مم، ومداه الأقصى حوالي (11) كيلومتراً.

[5] - التسميات التي أوردتها، هي منذ عام 1960، وقد غيرتها القيادة عقب مؤامرة 8 آذار، ولكن الوحدات ظلت على حالها.

[6] - وهو مزود بدبابات (ت 54) الروسية التشيكوسلوفاكية.. وهي من أجود الدبابات وأحدثها، وأقواها وتتفوق بكثير من المميزات على الدبابات الإسرائيلية (ستوريون، وباتون) الإنكليزية  والأمريكية الصنع.

[7] - ملاك هذا المنصب مقدم أو عقيد، ويجب أن يكون متبعاً ـ على الأقل ـ لسلسلة من الدورات التأهيلية، تشمل فيما تشمله دورات: (الصاعقة، الطبوغرافيا، قراءة الصور الجوية، قائد كتيبة استطلاع أو مشاة، رئيس قسم استطلاع على مستوى جيش، وهذه لا يمكن له أن يتبعها إلا بعد اتباعه سلسلة من الدورات لوظيفة قسم استطلاع على مستوى لواء، فمجموعة ألوية.. ثم الجيش، ودورة لغة عبرية... إلخ

[8] - ستون دبابة (حسب تشكيلات العدو القتالية) هي جمهرة مدرعة قوامها ما يقارب من كتيبة ونصف.

[9] - تحسب الكثافة على أساس تقييم عدد القوات على عدد الكيلومترات التي هي جبهة قتال الوحدة. فمثلا.. يقال في تقرير رئيس قسم استطلاع لواء المشاة في الدفاع، والذي تبلغ جبهة دفاعه اعتيادياً حتى 3كم، يقال إن كثافة قوات العدو هي على الشكل التالي: (كذا) سرية مشاة لكل 1كم. (كذا) دبابة (كذا) مدفع.. (كذا) مدفع م ـ د .. إلخ. وعلى أساس هذه الحسابات يقوم القائد بتقدير موقفه واتخاذ قراره للقتال، وإجراء التعديلات حتى يحقق في مواجهة مهمته القتالية، كثافة مناسبة تمكنه من قيادة قتال ناجح.

[10] - بعد أن استعاد حزب البعث سيطرته على الأوضاع في سورية، عقب الحرب.. وفي أحد الاجتماعات الحزبية التي عقدت في دمشق، سئل (اللواء) أحمد سويداني عن معلوماته حول ملابسات إذاعة بلاغ سقوط القنيطرة، فكان جوابه: (أنا كمسؤول، لم استشر في البلاغ الذي أعلن سقوط القنيطرة .. وكمواطن سمعته من الإذاعة كغيري).

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ