العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 11 / 04 / 2004

 


الجولان ينادينا ـ 10 ـ

تنظيم الدفاع على أرض الجولان

(5)

الاتصالات في الجبهة:

وكما في أي دفاع ثابت، اعتمد نظام الاتصالات السلكية، ومددت على الأرض (أو على الأعمدة) خطوط الهاتف الميدانية منذ قيام الوضع الدفاعي، ولم تفكر قيادة ما، طيلة ثلاثة عشر عاماً، بإدخال التعديل أو التغيير على نظام الاتصالات هذا.

ولكن مع بداية عام 1960، قررت القيادة العامة إجراء تعديلات هامة على وسائل الاتصال، فقامت بتمديد خط جديد، يصل بين القنيطرة ودمشق، وبين القنيطرة وكل من مسعدة، والعليقة، والبطيحة، والعال.

وقد مدد هذا الخط تحت إشراف خبراء أجانب، وعلى عمق 50 سنتيمتراً، وسمي (الخط الرباعي).

أما استعمال اللاسلكي فقد كان ممنوعاً إلا في حالات خاصة سنفصلها

1ـ الاتصال السلكي: أقيم نظام الاتصال هذا معتمداً على الخطوط والمقاسم.

أولاً: الخطوط: كان في الجبهة نوعان من الخطوط:

أولهما: الخطوط المرفوعة على أعمدة، وقد كانت بنسبة قليلة في منطقة الجبهة، نظراً لصعوبة تغطية كل احتياج القوات بها بسبب صعوبة تمديدها في الأماكن المتقدمة نحو العدو، ولكلفتها الغالية واستهلاكها وقتاً كبيراً في إقامتها، وكذلك بسبب عدم إمكانية نقلها من مكان لآخر.

ولكنها مع ذلك تمتاز عن الأسلاك الميدانية الأرضية بعدم التعرض للتشويش أو السرقة من قبل العدو إلا بنسبة ضئيلة جداً وعدم التعرض للتلف السريع بسبب الأمطار والعوامل الأخرى.

وثانيهما: الخطوط الميدانية، وهي تمدد على الأرض، هكذا على المكشوف، وهذه أسلاك تصلح لقتال متحرك ومن الخطأ استعمالها لدفاع ثابت كل تلك السنين.

من مميزات هذه الخطوط: سرعة تمديدها، وإمكانية رفعها ونقلها من مكان لآخر بمنتهى السهولة.

ومن سيئاتها: تعرضها للتلف بفعل عوامل مختلفة (سيارات، المواشي، الاحتكاك بالصخور، العوامل الجوية..)، وتعرضها للسرقة من قبل العدو.

ومن المشاكل التي كانت تعانيها القوات، ما يلي:

ـ احتراق قسم من الأسلاك خلال حرق الأعشاب أو أي حريق آخر يشب في المزروعات أو الأعشاب.

ـ تقطيع الأسلاك، إما خلال الحراثة، أو حركة الآليات المختلفة، أو بيد عابث أو مخرب، أو بيد سارق من أهل المنطقة، يقطع منها احتياجه ويترك الوحدات خلفه محرومة من الاتصال ريثما يتم إعادة وصلها.

ـ التآكل بفعل المطر والرياح ثم الشمس، مما يسبب أعطالاً خفية في الأسلاك، يصعب تحديد أماكنها بسهولة، مما يضطر الوحدات إلى تسيير دوريات من الاختصاصيين لفحص الخطوط قطعة فأخرى، حتى تتمكن من كشف العطل وإصلاحه.

ـ التداخل بين الخطوط، بسبب خطأ في وصلها بعد إصلاحها أو بسبب تآكل العازل وانكشاف السلك الناقل في أجزاء متقاربة من الخطوط العائدة لأكثر من وحدة، وهذا كان يسبب كثيراً من المشاكل والتشويش تضطر الوحدات إزاءها إلى فحص الخطوط، وفصلها ثم إصلاحها.

ولقد كان الحل الوحيد للتخفيف من هذه المساوئ، هو تسيير الدوريات المستمرة ـ إن على مستوى الكتائب أو الأعلى ـ للتفتيش على الخطوط، وإصلاح ما فسد منها، ولذلك كنا نرى يومياً، الجند يروحون ويغدون على طول الخطوط، ممسكين بها يتفحصونها ويجربونها بين مسافة وأخرى، وكل منهم يحمل عدة الإصلاح بيمناه، وبندقيته على كتفه أو بيسراه.

ثانياً: المقاسم:

المقاسم هي مراكز تحويل المخابرات (سنترال)، وقد أقيمت كلها ـ تقريباً ـ على الأسلوب الميداني القابل للحركة وحسب المعدلات الآتية:

ـ في قيادة كل كتيبة مقسم أو اثنان، لتأمين الاتصالات بين قيادة الكتيبة ووحداتها من جهة، وبين قيادة الكتيبة وقيادة اللواء من جهة ثانية، وبين قيادة الكتيبة والوحدات المجاورة من جهة ثالثة.

ـ في قيادة كل لواء عدد من المقاسم ـ مجمعة أو موزعة ـ لتأمين الاتصالات مع الجهات الثلاث (الوحدات ـ القيادة الأعلى ـ الجوار).

ـ في قيادة الجبهة مجموعة كبيرة من المقاسم لتأمين هذه الاتصالات مع الجهات المختلفة.

وإضافة لذلك، فلقد وجدت كثير من المواقع الدفاعية والمخافر، التي هي دون مستوى الكتيبة، (سرية أو فصيلة منعزلة، أو جماعة متقدمة)..، اقتضى وضعها القتالي وجود قسم لديها، ولذا فقد تم تأمين هذه المقاسم بنسبة كافية.

ولقد كانت خدمة هذه المقاسم تقع على عاتق وحدات الإشارة الداخلة في صلب تشكيل الوحدات (فصيلة إشارة الكتيبة، سرية إشارة اللواء.. إلخ) وأما حين يوجد مقسم ما، لدى وحدة صغيرة فرعية (سرية أو فصيلة مشاة..) فكانت خدمة هذه المقاسم تؤمن من قبل عناصر تعينها لهذه الغاية وحدات الإشارة التابعة للقيادات الأعلى، أو يعين عليها أفراد من الوحدة الصغيرة نفسها بعد إلحاقهم بدورة محلية مدتها لا تتجاوز الأسبوع، ليتم تعليمهم على هذه المقاسم، ثم ... يقومون بخدمتها.

وأما أماكن إقامة هذه المقاسم، فغالباً ما تكون في الملاجئ الحصينة، قريباً من القادة ـ ما أمكن ـ وأحياناً، اضطرت الوحدات لتأمين إقامة المقاسم في الخيام، أو البيوت العائدة للقرى النموذجية، أو البيوت المستأجرة من المدنيين.

2ـ الاتصال اللاسلكي:

هذا النوع من الاتصال محرم في منطقة الجولان طيلة فترة حياة الجيش فيها. ولم يسمح به إلا في حالات نادرة جداً. وقد حددتها الأوامر الدائمة، وكانت تصدر أوامر خاصة تسمح باستعمال الأجهزة اللاسلكية في فترة خاصة وضمن شروط وأحوال تفصلها الأوامر.

هذه الحالات التي يسمح بها استخدام الاتصال اللاسلكي، هي:

(أ) حالات القتال، وبعد فقدان الاتصال السلكي، وفقدان إمكانية إعادته خلال فترة لا تؤثر سلبياً في سير القتال.

(ب) حالات التدريب سواء أكان تدريب العناصر الفنية أو تدريب الضباط، أو تدريب القوات، وكانت لذلك تصدر أوامر تفصيلية دقيقة، تحدد الوقت وأنواع الأجهزة الممكن استخدامها، والرموز الواجب استعمالها خلال التخاطب لاسلكياً.

(ج) حالات صيانة الأجهزة وإصلاحها، وذلك أيضاً ضمن شروط وأوقات ورموز محددة مفصلاً بالأوامر.

(د) حالات خاصة، وضمن فترات معينة، لتجريب الأجهزة، والتأكد من صلاحها للعمل وقت الحاجة، وذلك أيضاً ضمن منهاج خاص بذلك، يحدد أنواع الأجهزة، والرموز، وفترات الاستخدام وغيرها من الأمور التي تفرض سرية استخدام الأجهزة.

3ـ وسائل أخرى في تأمين الاتصال:

إضافة إلى الاتصال بوسيلتيه الرئيسيتين، كانت هناك وسائل أخرى تبادلية، تم استخدامها في حالات مختلفة، وضمن برامج خاصة لبعضها وأهم هذه الوسائل:

(أ) الاتصال الشخصي: بين القادة لتبليغ أوامر أو الإبلاغ عن أمور ذات أهمية خاصة.

(ب) المراسلون: الذين يكلفون بنقل أمر ما ـ شفهياً أو كتابياً ـ لقائد ما، من سلطة أعلى أو من سلطة أدنى، وسواء أكانوا راجلين أو راكبين.

(د) شهب الإشارة: وهي وسائل ضوئية نارية، ذات رموز خاصة معروفة للقوات، وموزعة على الوحدات حسب ملاك معين، ومع أوامر خاصة باستخدامها تحدد أوقات الاستخدام، وحالاته، وأنواع الشهب الخاصة بكل حالة منها.

الاستطلاع[1]:

اعتمدت في منطقة الجبهة أعمال الاستطلاع، بصورة محدودة، وبوسائل بدائية إذا قيست بطرق ووسائل الاستطلاع الحديثة المستخدمة في جيوش العالم اليوم.

ولسنا بصدد التعرض للبحث في تفصيلات عن طرق الاستطلاع، ووسائله، وإنما يهمنا عرض موجز لما اعتمد واستخدم وطبق في الجبهة، خلال فترة حياة القوات فيها وما أعد للاستخدام في حالات الاشتباك.

1ـ الرصد: كان من أكثر طرق الاستطلاع استعمالاً وشيوعاً في الجبهة، ويعتمد على إقامة مراصد يخدمها أفراد يراقبون العدو ليل نهار، وينقلون مشاهداتهم إلى القيادات المسئولة فتقوم هي باستنتاج ما يهمها من هذه المعلومات وسنتكلم عنه مفصلاً جداً في كتابنا القادم إن شاء الله.

2ـ رصد الضباط: كان يتم في حالات خاصة من أجل التأكد من مشاهدات ذات طابع خاص، ويؤديه غالباً، القائد المسؤول، يرافقه ضباط الاستطلاع، وضباط ذوي الاختصاص الذي تقع في دائرته المشاهدات التي تستدعي مثل هذا الاستطلاع.

3ـ الاستماع اللاسلكي: ويتم بواسطة أجهزة خاصة يعمل عليها اختصاصيون، للتفتيش عن شبكات العدو والاستماع إلى مخاطباتها، ونقلها إلى المراجع المتخصصة في شعبة المخابرات، وقد أقيمت ثلاثة مراكز، في كل قطاع واحد منها، يضم مجموعة من أجهزة الاتصالات ذات الحساسية العالية، ويقوم على خدمتها عدد من ضباط الصف المدربين تدريباً عالياً ويتقنون استعمال الأجهزة كما يتقنون اللغة العبرية، وترفع التقارير يومياً إلى القيادة العامة عن نشاط شبكات العدو وتبادل البرقيات فيما بينها.

ولقد ساهمت هذه الأجهزة إلى حد كبير في الحصول على معلومات عن العدو، وكان من أبرز ما حققته من فائدة، ما التقطته من برقيات متبادلة بين وحدات العدو في الاشتباكات 3/12/1958[2]، والتوافيق 1960، وتل النيرب 16/3/1962.

ولا يخفى أن كثيراً من البرقيات التي كانت تتبادلها أجهزة العدو ـ خصوصاً أوقات الهدوء ـ كانت للتضليل والتشويش أو بغاية تجريب الأجهزة، أو تدريب وحداته وعناصره. وقد كان بإمكان سدنة الأجهزة في مراكز الاتصالات ـ إلى حد كبير ـ أن يحددوا نوعية البرقيات وأهميتها وما إذا كانت حقيقة أو للتضليل.

4ـ الاستطلاع بالدوريات: وقد مارس الجيش هذا النوع من العمل على نطاق محدود جداً، وذلك تمشياً مع سياسة الدولة التي سادت كل تلك السنوات، والتي انعدمت فيها لدى المسؤولين ـ عسكريين وسياسيين ـ فكرة الهجوم.. بل وحتى فكرة الدفاع المتحرك الفعال.

ومن أبرز أعمال الاستطلاع بالدوريات، التي نفذت:

(أ) سلسلة طويلة من أعمال الدوريات، نفذها فوج المغاوير عام 1956 إبان العدوان الثلاثي على مصر، وبعدة فترة وجيزة، وقد استغرق تنفيذها ما يقارب شهراً ونصف الشهر. وذلك من أجل التعرف على أهداف حددت لهذا الفوج داخل الأرض المحتلة، وتمهيداً لمقاتلتها ـ حين تصدر الأوامر بذلك ـ ولكن الأمر اقتصر على أعمال الاستطلاع، وعاد الفوج بعد مدة وجيزة إلى معسكراته، بعد انتهاء حالة التوتر.

(ب) سلسلة طويلة جداً، ومستمرة من أعمال الدوريات الخاصة، التي مارسها الفدائيون من أبناء فلسطين، والتي كانت تنفذ بدقة، وتحت إشراف شعبة المخابرات في القيادة العامة، والفروع التابعة لها في الجبهة.

(ج) أعمال استطلاعية محدودة جداً، وخاصة، وبدون علم القيادات، أو إذن منها، نفذها عدد ضئيل من الضباط، بغية الحصول على معلومات أوفى وأدق، عن بعض أعمال العدو في الطرف المقابل لقواتنا، وكان من أبرز ما تم من هذا النوع، هو دخول بعض الضباط إلى الأرض التي تضم المرحلة الأولى من مشروع تحويل نهر الأردن، بغية استكمال دراسة هذا المشروع بصورة دقيقة.

5ـ الاستطلاع الجوي: وكثيراً ما كان يكلف سلاح الطيران بطلعات استطلاعية فوق الأرض المحتلة، ومن أبرز هذه الطلعات ما كان لصالح قوات الجبهة بصورة مباشرة، ومن أبرز الحالات التي نفذت فيها مثل هذه الطلعات ـ لصالح الجبهة ـ هي الاستطلاعات الجوية التي نفذتها عقب معركة التوافيق (عام 1960)، وعقب معركة تل النيرب (عام 1961)، وذلك من أجل الكشف عن طبيعة التحركات الضخمة التي مارسها العدو خلال هاتين الفترتين، وغيرهما كثير.

6ـ التصوير الأرضي: استعمل هذا النوع من الاستطلاع في حدود ضيقة، وحين كان الأمر يقتضي بمراقبة دقيقة ومستمرة لتغيرات الأرض في الطرف المقابل لقواتنا، وذلك بغية مقارنة سلسلة من الصور لمنطقة واحدة من الأرض، فتظهر عندها جلياً أية تغييرات قد طرأت، وبدراستها مع مصادر المعلومات الأخرى، يمكن الخروج بمعلومات صحيحة ما أمكن عن طبيعة الأعمال التي يقوم بها العدو في المنطقة المقصودة بمثل هذه الدراسة.

وكذلك استخدم التصوير الأرضي لتقديم صور إيضاحية للقيادة عن أنواع من الزوارق وجدت في بحيرة طبريا، وعن بعض الأعمال الإنشائية التي استأثرت باهتمام القيادة، مثل الأعمال التي نفذت بين جسر بنات يعقوب وجسر بستان الخوري، وكذلك قناة التحويل (المرحلة الأولى من تحويل نهر الأردن)، وكذلك حفريات العدو جنوب تل المطلة على حدود الأرض المجردة (سيرد تفصيل واف لهذه الأمور في كتابنا القادم).

7ـ التصوير الجوي: ولم يستخدم هذا النوع من الأعمال الاستطلاعية إلا لصالح القيادة العامة، وأحياناً قليلة جداً نفذ لصالح قوات الجبهة، وقد نفذ منها ما هو ليلي وما هو نهاري، ومن أهم الطلعات التصويرية التي نفذها الطيران لصالح الجبهة، كانت:

ـ طلعات ليلية تصويرية، فوق منطقة صفد ـ الجاعونة ـ الخالصة. وذلك في شباط عام 1960، عقب معركة التوافيق.

ـ طلعات نهارية للتصوير، فوق منطقة كفر شامير، للتأكد من صحة الخبر الذي أدلى به أحد أعضاء لجنة الرقابة الدولية، عن وجود عدد كبير من الدبابات في تلك المنطقة وكان ذاك في عام 1962.

هذه الأنواع من طرق الاستطلاع، نفذت قبل الحرب، واعتمدت مع طرق أخرى أهم وأكثر، في خطة الاستطلاع، وهي عبارة عن أمور عسكرية معقدة ليس لنا أن نفصل فيها لأنها من الأمور التي تهم العسكريين أكثر مما تهم القارئ الآخر.

وأخيراً: لقد كانت الصفحات السابقة موجزاً لما بذل من جهود ووقت وأموال، وتصويراً سريعاً لضخامة الإمكانات ـ البشرية والمادية الأخرى ـ التي حشدت في منطقة الجولان، تحسباً لساعة خطر، كالتي جاءت يوم حزيران العار.

ولعل الذي شرحناه، ليس إلا جزءاً من جهد أكبرـ استهلك الكثير جداً من الوقت، والجهد والمال، استعداداً لمثل هذه الساعة.

هذا الجهد، هو خطة عمليات الجبهة. ولقد استعرضت في صفحات سابقة، بصورة موجزة جداً، وواضحة، لمحات مما ورد في خطة العمليات هذه لأن من غير الممكن كشف ذلك كله للقارئ، والحرية بعد ذلك للعقل المتبصر، لينطلق من المستوى الذي تمكنا من شرحه، فيتصور ضخامة الجهد الذي بذل حتى أصبحت الجبهة ـ ومن ورائها الجيش ـ جاهزة لتأدية واجبها، وسداد الدين الذي عليها، فتحمي البلاد من عدو غاز طماع، وترد عار النكبة إلى جباه الذي سعوا إليه وساهموا في صنعه، وتحطم أسطورة الجيش الإسرائيلي المتغطرس.

ولكي نسهم أكثر في تسهيل مهمة المخلصين الذين يريدون الوقوف على الأبعاد الحقيقية للجريمة.. سأضع لهم على الطريق بعض الصوى، علها تعينهم في الوصول إلى فسحة التصور الحقيقي، لفداحة الخيانة التي ارتكبت بحق هذه الأمة.

فخطة عمليات الجبهة، هذه التي نتحدث عنها، لم تكن مجموعة من الأوامر والمخططات، ضمها مجلد أو أكثر..

إن هذه الوثائق هي فعلاً جهد ضخم جبار، استغرق إعداده وقتاً طويلاً، واستهلك الكثير من الجهد والمال، حتى أصبحت هذه الوثائق جاهزة.

ولكن الأضخم والأكبر بكثير هو:

(أ) ما يعتبر من مقدمات لتحقيق هذه الخطة من: تدريب للضباط بمختلف اختصاصاتهم ـ استقدام الخبراء الأجانب ـ استطلاعات الأرض حتى غطت كل شبر لدراسة إمكاناته وفاعليته، الدراسة النظرية للفرضيات القتالية المتعددة، والخروج بالأكثر احتمالاً للوقوع، والتخطيط لقتال ناجح يتناسب معها، الجهود الجبارة المبذولة من قبل كافة الأجهزة (السياسية والعسكرية) للحصول على أدق المعلومات عن العدو، ثم التعرف عن نواياه، والتحسب لكل نية من هذه النوايا.. إلخ

(ب) ما يعتبر نتائج طبيعية لهذه الخطة من:

ـ إجراء التعديلات في أوضاع التمركز (تقوية أو تخفيفاً ـ إضافة أو إلغاء).

ـ تدريب القوات على فرضيات الخطة والحلول التابعة لها ليكون القتال (عند وقوعه) أمراً مألوفاً لدى القوات ـ وما يلحق لذلك من تفصيلات تخص الرجال والتسليح والعتاد، ووسائل حفظ الوثائق و... إلخ.

هذه الجهود التي قد لا يتمكن عقل ما، من حصرها جميعاً في دائرة تصوره، والتي حاولت أن ألقي عليها الأضواء من زوايا متعددة، في دائرة ما مضى من صفحات، قد تكون قصرت في مهمة التوضيح هذه، لصورة الحقيقية الواضحة لتبرز بعد ذلك لكل مخلص، الأبعاد الواضحة والعمق الحقيقي للخيانة التي أقدم عليها أهل السلطة والمسؤولون في حزب البعث في سورية، إذ أقدموا على إلغاء ذلك كله، وتعطيله عن تحقيق فعاليته التي جهز لها خلال عشرين عاماً، وقدموا الجبهة الحصينة، هدية سهلة لينة لقوات العدو، دونما أي جهد بذلته سوى ما اقتضته ضرورة التمثيل وغير ما لاقت من الضراوة بسبب المقاومات الفردية التي مارسها بعض القادة (غير البعثيين) وبعض أفراد الشعب حين تجاهلوا أوامر قيادة البعث التي طالبتهم بالانسحاب، ثم عززت مطالبتها تلك، بيانها الفاجر الذي أذاعته معلنة سقوط القنيطرة، قبل سقوطها بسبع عشرة ساعة على الأقل.

ولكن كيف حدث ذاك ؟؟


[1] - الاستطلاع: تعبير استخدم في الجيش السوري، ليدل على جميع الأعمال التي تقوم بها القوات في الميدان، من أجل الحصول على المعلومات الكافية عن أوضاع العدو وقواته ونشاطاته ونواياه... إلخ.

[2] - في ليل 4ـ5/12/1958، تمكنت هذه الأجهزة من التقاط اتصال لاسلكي واضح مكشوف قامت به أجهزة العدو تبين بعد تدقيقها أن العدو أرسل في تلك الليلة وحدة إغارة بقوة فصيلة مشاة معززة لضرب مخفر الدريجات والعودة وذلك للانتقام الفوري والثأر لخسائره في اشتباك 3/12/1958، وقد تمكنت قواتنا في الدريجات وجليبينة من إحباط هذه المحاولة قبل وصولها إلى هدفها، وجرت محاولة لتطويق القوة المغيرة، ولكن قائدها كشف الأمر فاتصل بقيادته، فأمرته هذه بالانسحاب دون تأدية المهمة، وقد فتحت نيران الكمائن عليها وأجبرتها على الجري في طريق العودة مخلفة وراءها جهاز اللاسلكي وبعض مخازن الذخيرة.

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ