العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03 / 10 / 2004

 


الجولان ينادينا ـ 27 ـ

نقاش الإثبات (3)

5ـ البلاغ رقم 66 بسقوط القنيطرة:

ومن الأمور الخطيرة جداً.. التي تميزت بها أيام الحرب (المسرحية)، هو تصرف القوات بعد الإعلان الكاذب عن سقوط القنيطرة.. وهذا ما يحتاج إلى مناقشة وتوضيح.

(أ) لنترك جانباً ـ ولفترة محدودة فقط ـ إصرارنا على أن بلاغ سقوط القنيطرة، قد أذيع قبل سقوطها بزمن غير قليل، فلقد سبق أن بينا ذلك بوضوح وأثبتنا أن القوات الإسرائيلية كانت وماتزال تشتبك بالمقاومات الفردية المعزولة، في تل شيبان، والقلع، وتل الفخار، وفي المنصورة وأماكن متفرقة أخرى.. حين أذيع البلاغ الكاذب ذاك..

ولنفترض جدلاً أن البلاغ كان صحيحاً.. وأن القوات الإسرائيلية قد دخلت القنيطرة وقت البلاغ تماماً أو قبيله بزمن بسيط.. فلماذا تترك الوحدات الباقية مواقعها، وتفر كالفئران ؟؟

إن نظرة واحدة إلى خريطة الجولان.. توضح أن سقوط القنيطرة، لا يشكل خطراً أو تهديداً مباشراً ضد باقي القوات المقيمة في القطاعات الأخرى، وخاصة الأوسط والجنوبي..

إن القنيطرة تبعد عن مواقع القوات الرئيسية في القطاع الأوسط، عشرين كيلومتراً، وعن مواقع القوات الرئيسية في الجنوبي خمسين كيلومتراً.. فهل يمكن أن يسمى احتلال العدو للقنيطرة، التفافاً أو تطويقاً ضد هذه القوات ؟؟

إن التطويق لا يكون تطويقاً، إلا إذا استطاعت القوات عزل الوحدات المطوقة تماماً، والإحاطة بها من كل جانب، وقطع طرق انسحابها أو تموينها ونجدتها.. ومن ثم تبدأ القوات المطوقة زحفها لتدمير القوة المطوقة، أو إجبارها على الاستسلام.

وحتى في هذه الحالة ـ النادرة في الحروب ـ كثيراً ما تقوم القوة المطوقة بأعمال تتسم بطابع العنف والضراوة، بهدف فك الحصار، وفتح الطريق إما لانسحاب أو لتأمين وصول النجدات إليها..

وفي حالتنا هذه التي نناقش، يرى الناظر إلى الخريطة أن قوات الجولان لم يتم تطويقها، وأن نجدة الجولان كانت ممكنة ـ وهذا ما سبق للقيادات أو وضعته في احتمالها ـ إما عن طريق قطنا مزرعة بيت جن ـ مسعدة (من الشمال)، وإما من الطرق المختلفة المؤدية من حوران إلى القطاع الجنوبي ثم الأوسط (من الجنوب)، وإما من الطرق المؤدية من دمشق إلى منطقة القنيطرة مباشرة (من الشرق).

وكذلك يرى الناظر إلى الخريطة، أن مجال المناورة كان واسعاً جداً، فالأرض فسيحة، والطرق متوفرة والليل كفيل بالسماح للقوات السورية بإجراء التحركات اللازمة حتى تتم الالتحام مع العدو، لطرده، أو وقف زحفه على الأقل.. !

إذن.. فليس للقوات أي عذر في تركها لمواقعها، بحجة أنها سمعت بلاغ سقوط القنيطرة.. فظنت أنها طوقت.. أو أصبحت مهددة بالتطويق..

هذا من ناحية.. ومن الناحية الأخرى.. لابد لنا من التذكير بأننا نوهنا في فصل سابق، أن المواقع الدفاعية ـ كل المواقع ـ قد حضرت، لتقوم بالدفاع في كل الاتجاهات (الدفاع الدائري)..

فلو عدت معي أيها القارئ، إلى فصل (الإعداد المسبق)، لوجدت أنه لكل سلاح قد جهزت مواقع رمي تكميلية، وأن الأسلاك الشائكة والألغام قد أحاطت بكل موقع من كل جانب، حماية له من نقطة ضعف.. وتسهيلاً له أن يقوم بالقتال في أي اتجاه يقع منه التهديد.

إذن.. نستطيع القول: إنه حتى ولو قامت القوات الإسرائيلية بالزحف من القنيطرة إلى باقي القطاعات، لقتالها من أحد الجوانب أو الخلف.. فإن تلك القوات كان يجب أن تصمد، وتقاتل.. لأن ذلك من صلب مهماتها.. ولأن أكثر القوات (وخاصة قوات القطاعين الأوسط والجنوبي) قد دربت مسبقاً، وخلال سنوات طويلة، على تلك المهمات القتالية المختلفة.

وأخيراً.. علينا أن نضيف، أن الأوامر المستمرة، الدائمة التي كانت تلقن لكل عسكري يدخل الجبهة (الجولان)، تنص على أن من واجبه الدفاع والقتال حتى الموت.. وأن لا انسحاب مهما كانت النتائج، فكيف استطاعت الشائعات التي راجت عن أوامر انسحاب أصدرتها القيادة.. أن تفعل فعل الساحر في تلك النفوس المتخاذلة.. حتى تركت مواقعها وولت الدبر ؟!

ومن كل ذلك.. نستطيع أن نؤكد أن أسباب الصمود والاحتفاظ بالأرض كانت متوفرة، فالأوامر الدائمة المسبقة بوجوب الدفاع حتى الموت، وإعداد المواقع للقتال في كل الاتجاهات، وتوفر إمكانية المناورة والضرب ضد العدو في كل أرض، وإمكانية إمداد ونجدة القوات عبر الطرق المختلفة.. ومناعة التحصين الذي كان قادراً على تأمين حماية كافية ضد الطيران الإسرائيلي.. ووفرة المواد التموينية من ذخيرة وطعام ومواد علاج، المكدسة في مستودعات القطاعات والوحدات..

كل ذلك.. لم تستفد منه القوات، فما إن سمعت البلاغ المشؤوم.. حتى بادرت إلى ترك مواقعها ـ وحتى أسلحتها ووثائقها ـ ثم أسلمت السيقان للريح.. ميممة شطر اربد وحوران أو دمشق أو لبنان وهي تعتقد أنها لن تبلغ الأمن والسلامة إلا بخروجها من حدود الأرض التي تحمل الصبغة القتالية.. أرض الجولان..

6ـ الهجمات المعاكسة:

ويبدو لي الآن أن الحديث عنها قد أصبح أقل ضرورة مما كنت أعتقد، لأن ذلك لا يعدو كونه جزءاً من الحديث عن أعمال القوات، الذي تعرضنا عنه في الفقرة السابقة..

ولكن ذلك لا يعني أننا نغفل مناقشة هذا الأمر الخطير.. وخاصة فيما يتعلق بالقيادة العامة وأعمالها.. فإن نحن سلمنا أن القوات المدافعة التي كانت تحتل الجولان، قد تخاذلت وجبنت في وجه العدو.. فلماذا لم تقم القيادة العامة بذلك الواجب.. وتبادر هي إلى الزج بالقوى الرئيسية التي تحت قيادتها، لسد الخرق الذي حصل، ورد القوات المعادية، أو إيقافها عند حدود ضيقة على الأقل ؟

قد يتصدى متنطع وقح ليقول إن الطيران الإسرائيلي كان مسيطراً على جو البلاد كلها.. وهذا يمنع تحرك الوحدات لإجراء الهجوم المعاكس المطلوب..

وأفضل رد على مثل هذا الادعاء، هو أن الذي يقوله جاهل، يتحدث بما ليس له به علم.. أو منافق مخادع والغ في الجريمة.. ويريد صرف الناس عن خطورتها..

إن من الأسس العامة لقتال القوات، أن الطيران ـ مطلق الطيران ـ يكون عاجزاً عن التدخل ضد قوات عدوه في حالة الالتحام بين الطرفين..

وإن من أبسط قواعد التحركات العسكرية أن الليل يشكل أكبر عامل مساعد لتحرك القوات خفية عن أعين الرصد المعادي.. كما يقدم حماية كاملة للقوات خلال تحركها على الطرقات.. رغم إمكانية الطيران ـ أي طيران ـ استخدام المشاعل والقنابل المضيئة لكشف أعمال العدو أو تحركاته في منطقة من الأرض.. ولأن ذلك يبقى محدوداً ضمن مساحات معينة، وفي حدود ثوان أو دقائق معدودات.. وهذا لا يعين الطيران على القيام بهجوم ناجح في الليل ضد القوات الأرضية..

ومن المعلوم كذلك أن الطرق المؤدية إلى منطقة واسط ـ القلع (قطاع الخرق)، أكثر من أن تحصى.. والقوات السورية تعلم تلك الطرق خير علم.. كما سبق لها أن مارست عليها مختلف أنواع التحركات والأعمال التدريبية.

كان من الممكن إذن للقيادة ـ لو أنها أخلصت ـ أن تجري التحركات اللازمة، وتدفع بالقوات المكلفة إجراء الهجوم العاكس، في الليل، حتى تصل إلى خطوط الفتح المقررة لها ثم تقوم عند بزوغ أول ضوء، بتنفيذ الهجمات المعاكسة المطلوبة.. وبذلك تكون قد حققت واجبها وبقيت في مأمن من تدخل الطيران ضدها..!

ولقد سبق أن بينا أن شعبة العمليات أصدرت تلك الأوامر، وكان اللواء عواد باغ قد تدخل بنفسه لتحقيق ذلك الواجب الكبير.. ولكن ؟ لا رأي لمن لا يطاع.. فالسلطة الحزبية قد علت على السلطة القانونية العسكرية حتى في أسوأ لحظات المصير.. وتطاولت عليها، ورفض القادة البعثيون تنفيذ تلك الأوامر، مستندين إلى سندهم وحماتهم في الحزب المجرم.. وبذلك كان مثل اللواء عواد باغ، كمثل ضابط عربي يصدر الأوامر لقوات سوفييتية مثلاً.. فهل لها أن تطيع ؟!..

7ـ الطعـام

ثم موضوع الطعام، ما حقيقته، وما هو السر الكامن في اختفائه، وكيف كان له أكبر الأثر في وقوع الكارثة ؟

إننا نعلم أنه منذ بداية التوتر، ومع تصاعد احتمالات الصدام مع العدو، أخذت مظاهر الاستعداد (الكاذب) لذلك الصدام، تتلاحق، وتأخذ صوراً شتى.. حسب كل ميدان من ميادين الاختصاص.

ولقد كان من جملة مظاهر (الاستعداد).. قصة طعام الطوارئ.. قصة سحبه وما كان لذلك من آثار خطيرة.

ولكي يمكن فهم هذه النقطة، ومدى خطورة اللعبة الخائنة التي ارتكبتها قيادة الحزب، لضمان تسليم الجولان، إلى العدو دونما مطلق مقاومة. لكي يكون الأمر واضحاً، نعود قليلاً إلى الوراء.. إلى نظام الطعام في الجولان.. خلال عمره قبل نكبته، ونكبة الأمة بضياعه:

(أ) إن طعام القوات في الجبهة (الجولان)، كان مؤمناً بواسطة المطابخ، التي تؤمن الطعام الطازج في وقته، والتي كانت منتشرة في الجبهة، على مستويات مختلفة ومتعددة، بدءاً من المطابخ الميدانية المتنقلة، ومروراً بالمطابخ الثابتة للوحدات الصغرى المنعزلة.. حتى مستوى المطابخ الكبيرة التابعة للثكنات والمعسكرات، التي تضم وحدة أكبر أو أكثر[1].

ولكن إلى جانب ذلك.. ومع احتمالات القتال ـ التي ما وجدت القوات في الجولان إلا لمواجهتها ـ المختلفة، والمتعددة الوجوه.. ومع ذلك احتمالات انقطاع التموين ـ لفترات مقدرة ومحسوبة ـ لجأت القيادة إلى نظام توزيع أطعمة الطوارئ.

(ب) وأطعمة الطوارئ.. عبارة عن أنواع من الخبز (المجفف أو البسكويت)، الذي يحتوي على دقيق غنى مركز بالفيتامينات الحيوية الضرورية، مع معلبات من لحم البقر، أو السردين.

هذه الأطعمة خصصت للاستهلاك في حالات انقطاع التموين.. وقد حددت الأوامر الحالات التي يسمح فيه باستهلاك أطعمة الطوارئ هذه أو جزء منها.. ثم علق تنفيذ هذه الأوامر (أي مدى انطباقية حالات تنفيذها، على الواقع اليومي الذي تواجهه القوات) بأوامر خاصة تصدر لهذا الغرض، من قيادة الجبهة.

إذن.. نستطيع أن نفهم أن أطعمة الطوارئ هذه، كانت من مواد التموين التي شدد الحرص عليها حتى أصبحت بمستوى الذخيرة من حيث الأهمية.. وهذا معلوم سببه.. لأن الجندي إذا جاع.. يصبح صعباً عليه أن يقاتل.

(ج) وزيادة في الحيطة، ونظراً لأن وحدة القتال الأساسية التي بنيت عليها مواقع الدفاع في الجولان، هي (نقاط الاستناد) التي تدافع عنها (سرية مشاة) معززة أو مخففة.. وبسبب من طبيعة الأرض التي تفرض على نقاط الاستناد هذه أن تواجه احتمالات العزل أو التطويق، خلال الصدام المحتمل.. تجعل (آلياً) تلك النقاط مطالبة بأن تقاتل اعتماداً على قواها الذاتية، فترة محدودة، ريثما يتم نجدتها وكسر الحصار المفروض عليها.. لذلك.. فقد زودت هذه النقاط، بكل احتياجاتها التموينية.. التي مكنتها من القتال (منعزلة)، فترة من الزمن، كافية لإعطاء فرصة للوحدات الأخرى، لنجدتها.. وقد كان أضعف تقدير لهذه المهلة (48 ساعة).. وكانت أطعمة الطوارئ من جملة المواد التموينية التي زودت بها تلك الوحدات.. بل، وزودت بها حتى المواقع والمخافر الصغرى المنعزلة ـ بغض النظر عن حجم الوحدات المدافعة عنهاـ. وحتى في الكثير من النقاط والمواقع.. وخاصة التي كانت تواجه احتمالات الحصار أكثر من غيرها، بسبب انعزالها أو وعورة الأرض حولها، مما يسبب تأخر نجدتها.. حتى في تلك المواقع.. لم تترك أطعمة الطوارئ لدي قيادات السرايا أو قيادات تلك المواقع.. وإنما وزعت على المستويات الصغرى ضمنها.. حتى بلغ التوزيع في بعض الأمكنة مستوى الفرد.. حيث كنا نجد بعضاً من تلك المخافر والمواقع.. وقد زود الأفراد فيها بكل احتياجاتهم من الذخيرة والطعام (للطوارئ) ليواجه القتال منفرداً.. مع الاحتفاظ بنسبة معينة من هذه المواد التموينية، تحت تصرف القائد ـ على كل المستويات ـ ليتصرف به حيث تدعو الحاجة.

(د) وحرصاً على بقاء هذه الأطعمة دوماً بحالة ممتازة، وخوفاً من فسادها وتلفها.. فقد لجأت القيادات المتعاقبة إلى نظام رائع باستبدالها. وكانت الأوامر الدائمة قد حددت ذاك النظام كما يلي:

1ـ خصصت أياماً معينة من كل شهر، يكون فيها طعام القوات جافاً، وتقوم الوحدات بالحصول عليه من مخزونها من أطعمة الطوارئ (حسب الجعالة القانونية المقررة).

2ـ تقوم أجهزة الشئون الإدارية في الوحدات، بتعويض ما استهلك فوراً (وفي اليوم نفسه وأحياناً بصورة مسبقة)، بغية الحفاظ على مخزون الوحدات من هذه الأطعمة متوازياً مع مخصصاتها القانونية، وحسب التعداد.

ويكون هذا التعويض للوحدات، دوماً من مخزون القيادات في مستودعاتها.

3ـ تقوم القيادات ـ في الوقت نفسه ـ بتعويض ما استهلك من مخزونها، بواسطة وحدات التموين المختلفة، وأحياناً ـ وحال الاضطرار ـ من الأسواق، وذلك لبقاء مخزون المستودعات متوازياً بصورة دائمة.

هذا.. مع لفت الانتباه إلى أنه كان يؤخذ دوماً بعين الاعتبار في عملية الاستهلاك والتعويض، الترتيب الزمني لاستقدام هذه المواد وخزنها.. وأحياناً وقت صنعها ، في بعض المعلبات الني كتب عليها تاريخ التعبئة.

هذا النظام هو الذي سارت عليه الوحدات وقيادتها المتعاقبة، منذ إنشاء الوضع الدفاعي في الجولان، وحتى الأيام الأخيرة التي سبقت النكبة...

ففي تلك الأيام.. وبالتحديد منذ حوالي ثلاثة أسابيع قبل الحرب أصدرت قيادة الجبهة (قيادة أحمد المير.. البعثي)، أمراً بسحب جميع أطعمة الطوارئ.. بحجة استبدال أطعمة جديدة بها.. (وهذا وضع انفردت به قيادة البعث بين جميع القيادات المتعاقبة).. وبذلك مرت الأيام الأخيرة التي سبقت الحرب.. دونما تزويد للقوات المدافعة بأي نوع من أطعمة الطوارئ، واقتصر تزويدها بالطعام على الأسلوب اليومي المعتاد في تأمين الطبخ الطازج.

ومرت الأيام تشعر بقرب الصدام يوماً بعد آخر.. وأطعمة الطوارئ الجديدة ـ التي ادعت قيادة البعثيين إنها ستقدمها بدل الأطعمة السابقة، لم تصل إلى الوحدات.. حتى وقعت الواقعة.. وحصل الصدام.. وقام الطيران الإسرائيلي بقصفه المركز المنهك على قوات الجبهة.. مستهدفاً في جملة أعماله، المستودعات، ومراكز التموين. وأماكن الطبخ، وآليات التموين المتحركة على الطرقات.. فانقطع بذلك مورد الطعام الوحيد عن القوات.. وبقيت طيلة أيام 5،6،7،8،9 حزيران، بلا طعام ولا ماء.. إلا ما استطاع العسكريون فرادى، الحصول عليه، إما من قرى مجاورة، أو من بقايا المخزونات (سابقاً) في مستودعات السرايا والوحدات الأمامية.

هذا عن قوات الوضع الدفاعي.. الموجودة في الجولان، منذ ما قبل الحرب بزمن طال أو قصر...

أما قوات الهجوم المزعوم.. فلقد كان الأمر لا يقل سوءاً إن لم يكن أسوأ...

نحن نعلم... أن من جملة ما يزود به كل مقاتل في الهجوم، طعام جاف يكفيه لمدة 24 ساعة.. على أن تتكفل وحدته بأن تؤمن له بعدها وجبة واحدة على الأقل طازجة (ساخنة) ليستطيع الاستمرار في عمليات القتال المنهكة.

ولكن القيادة البعثية، زجت بالألوية الاحتياطية في واجب هجومي، (مزعوم).. وحركتها لاحتلال قواعد الانطلاق تمهيداً لهجومها ـ (الدجال) ـ دون أن تزودها بأي نوع من أطعمة الطوارئ.. بل استمر تأمين الطعام حتى صباح 5 حزيران، بالأسلوب نفسه الذي كانت به تؤمن أطعمة باقي الوحدات.. ولكن ما أن ابتدأ القتال.. وبدأ القصف الجوي المركز على هذه الوحدات وغيرها.. حتى انقطع التموين.. وأصبح حال القوات كحال أختها السابقة التي شرحنا عنها.. وأصبح الجميع في الجوع والظمأ والتعرض لقصف الطيران الإسرائيلي، سواء.

وهنا.. يمكن أحد الأسرار المذهلة.. التي تعطي تفسيراً عن السهولة التي دخلت بها قوات العدو، أرض الجولان المنيع.. دونما مقاومة تذكر..

ذلك.. أن بقاء القوات في ذلك الوضع الغريب الشاذ، مدة تزيد عن أربعة أيام مع الليالي..، في حال مريع، من الجوع، والظمأ، إضافة إلى سوء التدريب، وسوء التعبئة، وفقدان السيطرة لدى القيادة، وفقدان الاتصالات، إضافة إلى الخسائر التي تنزل بها كل يوم من تلك الأيام، بفعل الطيران المعادي.. والخيانات التي أخذت تصفي جيوب المقاومات الباسلة من خلفها..

إن ذلك كله.. جعل القوات مشلولة عاجزة عن اتخاذ أي موقف جدي حازم ضد قوات العدو، لذلك ما أن بدأت الشائعات تسري عن أوامر الانسحاب.. حتى بدأ الهرب المذهل المخزي.. على نحو ما فصلناه فيما سبق وأعطيناه حقه من الشرح والتوضيح.. ثم ساهم في التعجيل بالكارثة البيان الفاجر.. عن سقوط القنيطرة.. المزعوم.

ولقد رأيت بعض الذين كانوا في تلك الأيام هناك.. وعاشوا المأساة على مسرحها، وكانوا من ضحاياها.. ويا لهول ما وصفوا.. ويا لهول مالاقوا..

ولن أطيل في وصف ذلك الهول.. ولكن يكفي أن أنوه فقط، بأن أكثرهم أكل من أعشاب الأرض وخشاشها.. وأن قسماً منهم سطا (نعم سطا يسطو سطواً) على بعض القرى أو البيوت.. والقسم الآخر كان يطرق الأبواب (حتى في دمشق)، بذل وانكسار، يطلب، رغيفاً من الخبز، يقيم به أوده، في وقت كانت الرتب تحلي الكتف أو الذراع، واللباس العسكري مازال يستر الجسد والرأس.. الذي لم يبرز منه إلا الوجه بعد أن غطت اللحية معظمه، أو شوهته الحروق، وغطاه تراكم الدخان والغبار مجبولين بالعرق والدم..


[1] - سيرد شرح مفصل وممتع لهذا الأمر في كتاب قادم إن شاء الله.

يتبع

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ