العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 03 / 04 / 2005

 


الجولان ينادينا ـ 36 ـ

ـ 2 ـ

نحن والقضية (2)

فالخطوة الأولى على الطريق هي في:

1ـ التخفيف من متع الحياة الرخيصة التي غمرتنا بها المنجزات الحضارية المادية، خلال مدها الطاغي على شرقنا المنكوب.

إن مجتمعاتنا بأشكالها ومحتواها كما هي اليوم.. غير مؤهلة لخوض القتال ـ أي قتال ـ فلا بد من تغيير كبير في ملامح مجتمعاتنا.. في طراز حياتنا.. في طرق تعاملنا.. في نوعية أكلنا وشربنا ولباسنا وسكنانا.. في طرق ثقافتنا ومنابع تعلمنا وتعليم أجيالنا..

إن هذا التغيير المطلوب، لابد آت مهما حاولت قوى التأخير إعاقته عن أخذ مجراه.. لإحداق الانقلاب المطلوب في حياتنا..

إننا على أبواب هذا التغيير الحاسم في صورة مجتمعنا ومحتواه، وإننا لنلمس بوادر هذا التحول.. في أمور أخذت تقع، وظواهر تتكرر كل يوم.. تدل أبلغ الدلالة على التغيير الكبير الذي نحن مقبلون عليه.

ولكن واجبنا نحن.. إن كنا مخلصين لأنفسنا وأولادنا ـ على الأقل ـ أن ندفع بعجلة التطور دفعاً حثيثاً إلى الأمام لنتمكن من دخول السباق مع الزمن، ونتعجل صورة المجتمع المطلوب، المهيأ لخوض القتال الفاصل مع قوى العدو المختلفة.

وكيف ذاك.. وماذا يمكننا أن نعمل لتحقيق التغيير المطلوب بأقل مهلة زمنية ممكنة !

الأمر في غاية البساطة..

لابد لذلك من الكف عن الجري وراء المتع الرخيصة من كل جنس ولون.. وتوفير أثمانها لشراء السلاح والإعداد للحرب. إن مقاطعة الكماليات وأدوات الزينة والأزياء ومجالس اللهو العابث وحانات المجون.. شيء فاصل في دأبنا لتحقيق التغيير المطلوب.

يجب أن يتوقف هذا السباق المجنون للحصول على الثروات وتكديسها في البنوك ـ داخل البلاد وخارجها ـ دونما فائدة نجنيها من تكديسها سوى السماح لقوى خصمنا باستغلالها والإفادة منها في مشاريعه للتقوى على حسابنا.

يجب أن يزول من مجالس سمرنا التفاخر بمقدار الثروات، أو عدد البنايات، أو نوع السيارة أو أثاث البيت ومحتوياته من الرياش والفراش.. ليحل محله الحديث عن الحرب.. عن الفداء. عن فلان الفدائي الذي ذهب من عائلتنا واستشهد في مكان كذا.. عن فلانة المجاهدة التي قدمت من أولادها كذا للقتال ضد اليهود.. عن فلان المجاهد الذي عاد مؤخراً وفي جعبته إثبات بأنه قتل عدد كذا.. من يهود إسرائيل.. هكذا التفاخر وهذا ليكن حديثنا كل يوم.. وكل ساعة، وكل ليلة.

ليكن حديثنا عن أفضل أساليب القتال والنضال ضد العدو الإسرائيلي.. بدلاً من مناقشاتنا حول أفضل السبل لتجميع الثروات وكسب الأرباح الأكثر فحشاً.

هذا التهتك والعرى السافر يجب أن يزول ـ بأي أسلوب ـ ويجب أن يحل محله تفاخر البنات والسيدات بلباس القتال.. وعدد الرمايات.. وإتقان أساليب الإسعافات.. وأفضل السبل لتربية الأبناء كي يشبوا مقاتلين رجالاً.

هذه الصور الفاضحة في صحافتنا للفاجرات الساقطات.. يجب أن تختفي وتحل بدلاً عنها، صور المناضلات بلباس القتال.. أثناء التدريب.. أو في أرض القتال ضد الغزاة.. شرح المعارك الفاصلة في تاريخنا.. الكلام عن أفضل السبل لتحطيم القوة العسكرية المتغطرسة للعدو.

وحتى الطعام والشراب.. يجب أن نتخفف منهما، ونحن على ذلك قادرون، بدلاً من أن تفاجئنا المجاعة ونحن لها غير مستعدين، يجب أن نتخلص من هذا التنوع المضيع للوقت والمال والصحة في الأطعمة والأشربة. فالأمم لا تبني حضارتها على بطون الأكلة المتخمين، بل على عقول المفكرين ـ ومنهم من يقضي أياماً ناسياً طعامه وشرابه ـ وعلى سواعد العاملين الجبارين الذين يأكلون ما خف من الطعام.. على الماشي دون إضاعة الوقت.

لقد أثبتت لنا حرب فيتنام أن مجد الأمم، يمكن، بل غالباً ما يبنى على أجساد المناضلين النحيلة، الغائرة عيونها من الجوع.. إن أجدادنا كانوا في معاركهم الفاصلة يقتسمون حبة التمر الواحدة بين اثنين أو أكثر من المقاتلين.. ولم يهزموا ويتوقف زحفهم ومدهم إلا حين أثقلهم المتاع، وملأ بطونهم اللذيذ من الطعام والفاخر من الشراب.

إن بلادنا واسعة.. وخيرة.. ويمكنها أن تنتج لنا من الفول والعدس والقمح والشعير ما يكفي لإطعام الملايين المتعاقبة من المجاهدين الذين يجب أن يتدفقوا على أرضنا للإسهام في شرف تخليص الأرض المقدسة من أعداء الله والإنسان.

مثل هذه الأمور.. لابد أن تحصل، وفي في متناول أيدينا، ليست خيالاً، ولا حلماً في ساعة شرود الذهن، إنها واقع يمكن تحقيقه، ويمكن من خلاله تمحيص نفوسنا وتهيئتها لدورها التاريخي الفاصل.

إن هذه الأمور وأمثالها.. لا تحتاج لجهد حتى يتم تحقيقها.. أمور ممكنة.. تسوق هي بدورها نحو مراحل أعلى وأفضل.. من التغير الجذري الفعال.. حتى تختفي الصورة الحالية الممسوخة لمجتمعاتنا.. وتحل مكانها الصورة المنشودة.. المجتمع الحر، المقاتل.. الذي يجود كل يوم بوجبات تلو الوجبات، يدفعها إلى ميدان القتال.. لتحرير الأرض، وسقيها بالدم الطهور.

إن البداية في طريق التغيير.. لا تحتاج إلى مقدار بسيط من إرادة التغيير.. والقدرة على التضحية بمقدار ممكن، من متع اليوم.. ورفاهية اليوم.. من أجل مستقبل مضمون، إن لم يكن لنا فلأجيالنا.. ويبقى لنا نحن طيب الذكرى.. وحسن المثوبة على مقدار إخلاص النية.

2ـ والخطوة الثانية التي يجب أن نخطوها منذ الآن ـ دونما فارق بينها وبين الأولى ـ هي الحصول على السلاح.

ليبذل كل منا ما عنده.. ليشتري سلاحاً أو أكثر يستعد به لليوم الفاصل.

أيها الناس.. تبينوا مواقع أقدامكم.. واعرفوا أين أنتم سائرون.

في الإسلام.. الخطأ والجريمة أن يترك المؤمن سلاحه.. فالسلاح جزء من جسد المؤمن.. لا ينفصل عنه إلا بالموت.

(ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة)[1].

(1).. أما يكفي من تحذير ؟؟

.. نحن في الربع الأخير.. فقدنا روح القتال.. فقدنا حبنا وشوقنا للسلاح.. استمرأنا حياة الذل المرفهة الطرية.. فتنا في السيارة والشقة الفاخرة والأثاث الأنيق والديكور الفاتن..

أضعنا وقتنا في التدريب على الرقص والتزلج واستخدام البيانو والكمان بدلاً من التدريب على القتال وإتقان استخدام السلاح.

حتى الرياضة، ملنا عن الأنواع القاسية العنيفة منها، التي تربي روح الرجولة والإقدام، وزاد اهتمامنا بالرياضات الطرية اللطيفة مثل كرة الطاولة وكرة الريشة والبولنج.. إلخ.

لنعد إلى السلاح.. إلى المصارعة.. إلى القتال الوحشي.. إلى تسلق الجبال، إلى المشي والجري الطويل.. إلى الفروسية ومباريات الرماية.. إلى كل ما من شأنه أن يبعث الرجولة النائمة في النفوس..

ولا نسأل من أين يأتينا السلاح ؟

إن إرادة الحصول عليه.. والإصرار على نيله.. كفيلان بتذليل كل عقبة تعترض ذاك السعي. مصادر السلاح أكثر من أن تحصى..

إن سلاحاً واحداً في يد قادر على استخدامه.. مصمم على الدفاع عن بيته ـ على الأقل ـ ليعدل كل ما الأرض..

.. إن البنايات الفاخرة الضخمة.. المتعالية بأبراجها تطاول السحاب لهي أعجز من أن تدافع عن نفسها ضد رجل واحد يحمل السلاح ويتقن استخدامه.

لن تنفعنا القصور.. ولن تزيدنا الأبنية الكبيرة.. والأثاث الفاخر إلا تثاقلاً إلى الأرض.. وعجزاً عن الهبوب كالبركان للدفاع عنها.. وعما هو أغلى منها وأبهظ أثماناً.

إن الموائد العامرة.. والأطعمة المثقلة بكل أنواع اللذة.. لا تحتفظ برونقها إلا مقدار ساعة أو ساعتين.. ثم تمضي في طريقها.. لتصبح فضلات ترمى في أحط الأماكن وأقذرها.. بينما يعيش السلاح ويحتفظ برونقه وقيمته وجدواه عشرات السنين.. مادامت تمسك به يد بطاشة تحركها قلب مؤمن جسور..

وبعد شراء السلاح.. لنتدرب على إتقان استخدامه.. أينما كان.. وكيفما استطعنا.. في البيت.. في الحقل.. في الجبل والوادي.. في كل مكان.. لابد من إتقان استعماله ليعطينا المردود الأكبر من رؤوس اليهود الغزاة في فلسطين.

ولئن سأل سائل.. ماذا يمكن أن يصنع المسدس أو البارود.. تجاه المدفع أو الطائرة المزودة بالصواريخ.. فنحن نجيب عندها.. أن على السائل أن يعود إلى تاريخ العلاقات بين العرب وإسرائيل منذ عام 1938 وحتى حزيران العار في عام 1967.. ثم لينظر إلى العلاقات بينهما منذ وقف النار عقب الحرب المسرحية وحتى اليوم.. وعندها نحن نسأل:

ماذا وجدت ؟

ماذا فعلت الطائرات لدى العرب مقابل الطائرات لدى العدو ؟

ماذا أجدت الدبابات لدى العرب تجاه الدبابات لدى العدو ؟

لقد كنا نملك أحدث السلاح وأفتكه.. أسرع الطائرات وأكثرها مرونة.. أدق المدفعية وأبعدها مدى.. أثقل الدبابات وأكثرها مرونة وقدرة على المناورة.. حتى الصواريخ.. أدق أجهزة اللاسلكي.. لقد كنا ـ على الأقل ـ نعدل عدونا بالتسليح.. إن لم نكن نفوقه، فماذا فعلنا ؟..

العدو تفوق علينا بما هو وحده الكفيل بكسب الحروب ـ حتى في حالة عدم التكافؤ القوى ـ الإيمان .. والتصميم.

إرادة القتال.. إرادة النصر.. العزيمة الثابتة التي جعلت العدو لا يضيع لحظة من الوقت دون جدوى.. الإخلاص الدقيق لقضية، ما جعله يستفيد من كل إمكانية تحت تصرفه مهما تفهت وصغرت.. لكسب الحرب.. لم يك أحد يتصور أن تنطلق الطائرات في رحلة كسب الحرب منذ ساعتها الأولى من على الطرق (الأوتوستراد) وليس من على مهابطها في المطارات.

لم يك أحد يتصور ـ حتى القادة الكبار وقد اعترفوا بذلك ـ أن تأتي الطائرات من الغرب.. بدل أن تأتي من الشرق.

وبعد حزيران العار.. ؟ وبعد أن قبعت الجيوش (القوية الهادرة.. الأقوى قوة ضاربة في الشرق الأوسط.. إلخ) في مخابئها تلعق جراحها وتعيد لم شعثها.. وتلملم ثوب الهزيمة الذي جاء أكبر منها فبدا فضفاضاً عليها.. برز في الأرض عمالقة حقيقيون.. رجال ولا كل الرجال مجموعات صغيرة ـ وصغيرة جداً إذا قيست إلى الجيوش المهزومة ـ ولكنها زمر من الجن.. برزت وحدها في الميدان.. تقول لجيش الغزو السكران بخمرة الانتصار.. جاء دورنا.. فتعال نناقشك الحساب.

مجموعة بسيطة.. صغيرة.. ضعيفة في السلاح.. لا تملك منه إلا المسدسات والبنادق وبعض الرشاشات.. صفعت الجيش السكران.. وجعلته يصحو مذهولاً لجرأتها.. ويستجمع كل قواه ليستأصلها.. ويعود إلى الخمارة.. يتابع الاستمتاع بنشوة النصر.. فماذا كان ؟

خمسة عشر ألفاً من الجنود.. المدربين.. الخارجين حديثاً من انتصار ساحق فاجع.. المدعمين بكل أنواع السلاح الآلي الثقيل.. تقدموا ليؤدبوا أولئك (المخربين) ـ كما سمتهم دولة البغي ـ فتلقوا الرد المذهل..

بضع مئات فقط من الرجال الذين قرروا أن يموتوا.. فعاشوا وأحيوا شرف هذه الأمة بعد أن كاد يموت تحت أقدام الغزاة.. وردوا الجيش المنتصر.. إلى مواقعه مهزوماً.. مثل كلب ضخم.. مزقت لحمه هرة تنمرت دفاعاً عن صغارها.. فعاد يلعق جراحه.. ويفكر بحيرة.. كيف لها أن تنال منه ؟

هل نحتاج إلى شواهد أخرى مازلنا نعيشها ونتحسس أخبارها مع كل نشرة أخبار؟

هذه فيتنام.. وتلك باكستان بالأمس القريب.. وقبلها كانت الجزائر.. وكلما توغلنا في التاريخ.. عثرنا على أمثولات أكثر.. ونماذج في مثل الروعة ذاتها.. وعلى المستوى نفسه من عظمة التضحية وفعالية التصميم القادر على انتزاع النصر.

3ـ وبعد ذلك.. بعد أن نبدأ في طريق التغيير ونسعى لإحداثه.. وبعد أن نتسلح ونتدرب.. ننتقل إلى المرحلة الأخيرة من رحلة التغيير.. رحلة التاريخ لعبور الهوة التي تفصلنا عن مكاننا الطبيعي تحت الشمس.. بعد ذلك ننتقل إلى القتال.. إلى ميادينه الحقيقية في هضبة الجولان، وعلى ربى القدس الشريف، في بطاح حطين.. في رحاب المسجد الأقصى وعلى ذرى الجليل.. وعلى سواحل عكا وحيفا ويافا وغزة ورفح.. وعلى طول شاطئ قناة السويس، وعند سفوح الطور، وفي متاهات سيناء والنقب.

ننتقل إلى أرض الشرف والفداء.. وحداناً ومجموعات.. نشد أزر الذين سبقونا إلى ذلك الفضل، ونلحق بالركب المتقدم في دروب البطولة.. ونفتح الباب أوسع، ونمهد الطريق لمن سيأتي بعدنا.. ليسهم في دوره، وينال حصته من شرف التحرير.

نعم ‍‍‍!.. إلى هناك.. إلى حيث تقوم في كل شبر من الأرض إمكانية الصدام.. وعلى كل ربوة تبرز فرصة الصمود ومع كل منخفض في الأرض، يتسع المجال للتسلل في كل وقت.. إلى معاقل العدو.. ومواقع قوته، ومراكز تجمع وحداته.. نصليها حامي النيران.. ونزرع الذعر في القلوب الواجفة، ونفقأ الأعين المسمرة من الخوف والرعب.. ونفرض إرادتنا.. على السكارى الغزاة.. وننتزع منهم الأرض والسلاح المال..

ونردهم إلى مواقعهم أذلة خائبين.. أو نقبل ـ بكرم منا وتفضل ـ أن يعيشوا بيننا مسالمين..


[1] - النساء: 102

يتبع

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ