العلم السوري

    

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 01 / 08 / 2004

 


الجولان ينادينا ـ 20 ـ

لمحات متنوعة

من صور الجريمة (2)

11ـ أما الوثائق... فيا حسرتا على الجهود والأموال التي بذلت ـ مدة العشرين عاماً قبل النكبة ـ لتجهيزها وتحضيرها.. وضبط أفضل السبل لصيانة أمن القوات والأرض بواسطتها.

الوثائق.. التي كنا نعتبر أن كل حرف تضمنته، مهما بلغ من تفاهته وقلة شأنه، سر من أشد الأسرار احتياجاً للحفظ.. نعتبر أن محتوياتها يجب أن تكون خفية حتى على أفراد جيشنا، إلا المسئولين عن تنفيذ ما نصت عليه، وفي حدود حاجتهم للتنفيذ فقط...

الوثائق.. التي تحرص عليها حتى المؤسسات غير العسكرية، وتخفيها وتتكتم عليها بصيانتها إلى أشد موظفيها أمانة وقدرة على الكتمان.

الوثائق.. التي هي من أخطر الأسلحة التي يمكن أن تقع بيد جيش محارب، يستعمله ضد عدوه في ميادين القتال، ومجالات الحرب النفسية والسياسية.

الوثائق.. ويكفي اسمها.. ويكفي أن نعرف أنها تضمنت فيما تضمنته، خطط العمليات لكل من القيادة العامة، وقيادة الجبهة، والألوية وباقي الوحدات.

الوثائق.. التي حوت كل شيء عن الجبهة، منذ تأسيسها وحتى يوم النكبة.

الوثائق التي تعاقب القادة المختلفون على ائتمانها كل شيء عن الجبهة.. (حياتها ـ تدريبها ـ تسليحها ـ تحصينها ، خطة قتالها ـ خطة أمنها ـ مشاكلها اليومية والدائمة..) وكل ما يمكن أن يخطر ببال إنسان عن حياة جيش عاش فيها عشرين عاما يستعد ليوم حرب مثل يوم العار الذي وقع في حزيران.

الوثائق.. التي نصت الأوامر أن على كل مسئول لديه وثائق ـ مهما كان نوعها وحجمها ، أن يقتني إلى جانبها زجاجة مليئة بالبنزين مع واسطة إشعال (كبريت أو قداحة جاهزة) لإتلافها عند الخطر.

الوثائق.. التي كتب على كل مكان احتوته.. وبالخط العريض المحاط باللون الأحمر، لإبرازه لكل عين: (يتلف عند تهديد المقر).

هذه الوثائق التي تعادل حياة الجيش كله.. ماذا جرى بها ؟

(أ) إن الذي تأكد لدينا حتى كتابة هذه الصفحات.. أن مسؤولاً ما من مستوى قيادات الكتائب فما فوق لم يفكر مطلقاً بإتلاف شيء منها.. وتركت في أرضها، غنيمة رائعة للعدو،، يستفيد منا أكثر مما أفادته أجهزة الجاسوسية التابعة له بمئات المرات.

ويمكننا أن نقول.. أن بعض القادة، حاول أن يحمل معه شيئاً من الوثائق الهامة.. التي اعتقد أن وقوعها بيد العدو يشكل خطراً أكبر من وقوع سواها.. ولكن مثل هذا النوع من القادة، قليل جداً.. وكان حمله من هذه الوثائق لا يكاد يذكر نظراً لضخامة التصنيف المتراكم في مراكز القيادات المختلفة[1].

(ب) وأما الكثيرون من القادة الصغار.. وخاصة (ضباط الصف القدامى في الخدمة)، وفي المستويات العسكرية الصغرى (المتقدمة).. فلقد تمكن أكثرهم من إتلاف الوثائق في حيازته.. وخاصة في القطاعين الأوسط والجنوبي وقطاع القنيطرة.. ولكن هذا الذي أتلف لا يشكل أكثر من أذن الجمل، بالنسبة لأكوام الوثائق (بمختلف درجاتها ومستوياتها وبتنوع موضوعاتها..)، والتي تركت في الجولان، في جملة ما ترك فيه للعدو، من سلاح وعتاد وذخائر ومؤن و... أرض هي أعز وأكرم من كل ما ضاع.

(ج) وأن الذي أكد لنا صحة هذه المعلومات.. هو ما وصل إلى علمنا من أناس كانت لهم صلة بالأسرى الذي عادوا من إسرائيل بعد الحرب.. فلقد أفاد هؤلاء الأسرى أن السلطات الإسرائيلية، عرضت عليهم أكداساً من الوثائق، التي كانت تعتبر من أشد الأسرار دقة وأهمية، وكان الإسرائيليون يقولون لهم في كل مرة (هذه هي وثائقكم.. هذه هي خرائطكم.. هذه كانت نوايا قياداتكم المتعاقبة.. هاهي أمامنا.. موجودة في الوثائق والخرائط.. انظروا فنحن لسنا بحاجة إلى معلومات عنكم وعن جيشكم.. إننا نريد المعلومات عن الفدائيين.. والخبراء الروس فقط).

(د) وهناك أمر آخر.. يؤكد صحة ما نروي.. وهو أكداس المقالات والتصريحات و(صور الخرائط والوثائق) التي ينشرها العدو في كتب متعاقبة وصحف ومجلات كثيرة، توزع بأكثر لغات العام الحية، وتوزع في كل من أمريكا وأوروبا ودول المعسكر الشيوعي وعديد من بلدان آسيا (غير المسلمة) وعديد من بلدان أفريقيا...

هذه المقالات والكتب والتصريحات التي حظر إدخالها إلى البلدان العربية، تؤكد بوضوح أن العدو قد حصل على أكداس من الوثائق التي كانت في الجولان.. تشرح كل شيء عن وضع الجيش ونواياه طيلة العشرين عاماً التي سبقت النكبة.

وفي المناسبة هذه لابد من استطراد بسيط، أرجو أن يحقق ما أرجوه.

.. إن حقائق الحرب (المسرحية)، خفية عن أبناء هذه الأمة بتأثير أجهزة خفية منتشرة هنا وهناك من هذا الوطن.

ولذا فإنني أوجه نداء إلى المخلصين القادرين (أفراداً أو مؤسسات) أن يقوموا بتتبع هذه الأمور التي ينشرها العدو في العالم.. وجمعها ودراستها ومقارنتها واطلاع أهل الاطلاع والخبرة عليها، ليصار إلى تمييز الحق منها، وإزهاق الباطل الكثير فيها.. ثم عرض تلك الحقائق على الأمة العربية والشعوب الإسلامية، صوناً لها من الضياع، والوقوع في شراك الدعايات الصهيونية وشركائها وأجرائها.. المضللة.

12ـ وأما المقاومة الشعبية.. ذلك الرديف الأكبر، والمعين الأوفر الذي كان يجب أن يمد المقاومة الضارية بموج يتبعه موج من أعمال الضرب والكر والفر والهجوم والدفاع، حتى يعود الغازي إلى جحوره، وتتطهر الأرض.

المقاومة الشعبية.. التي كثيراً ما تبجحنا في سنين مضت، كلاماً عن دورها، وأهميتها والإنجازات التي حققناها لها.. (من تسليح، وتدريب، وتهذيب ثقافي، ورفع في مستوى الحياة الاجتماعي وتوعية وطنية صادقة وإقناع بوجوب البقاء في الأرض، والدفاع عنها بإصرار وعناد.. إلخ من تلك الجمل البراقة التي مزقت أجهزة الإعلام بها سماعنا، تطبيلاً وتزميراً لصالح عهود الحكم الاستبدادي المتعاقبة..)

المقاومة الشعبية التي ظن الناس ـ قبل النكبة ـ لكثرة ما سمعوا عن الاهتمام بها.. أنها ستكون خيراً من مقاومات الشعب الفيتنامي، أو خيراً من دفاع أهالي ستالينغراد.

المقاومة الشعبية تلك ماذا حل بها ؟

ماذا أصابها حتى انقلبت فجأة، وبين عشية وضحاها.. من (جيش شعبي)[2] قادر على حماية الثورة، ومستوعب لكل الإطارات الثورية[3] المناضلة)، وقادر على تحقيق (صور من البطولة تعجز عنها جيوش الارتزاق[4]) إلى مجموعات من

(النازحين)[5] تشردت في بقاع الله الواسعة. تفتش عن مصادر للرزق الذي يقيم الأود، أو تقف صفوفاً يومية أو أسبوعية حتى ينالها ما خصص لها من تافه الزاد وضئيل المعونات ؟؟

.. إننا سبق أن نوهنا عن نقاط الضعف والقوة التي تكمن في بنيان المقاومة الشعبية هذه.. وعن صور الاهتمام والإهمال التي أدركت شعب تلك المنطقة.. ولذا فلم يكن غريباً علينا، أن نسمع أنباء نزح السكان وتخليهم عن واجب حماية الأرض، بعد أن تخلى عنه الجيش، وتركهم وحدهم في مواجهة العدو المتفوق عليهم في كل شيء.

ولكن.. لابد من توضيح جديد، لأحد وجوه الجريمة المحبوكة أدق حبك، والتي نفذها حزب البعث الحاكم في سورية.. منذ صباح الثامن من آذار 1963.

(أ) الشيء الخطير في هذا الموضوع.. هو أن القيادة قامت بتجريد رجال المقاومة الشعبية من أسلحتهم، وسحب كل ما كان بحوزة السكان من سلاح وذخائر.. وخاصة الأسلحة المتوسطة، كالرشاشات والهاونات المتوسطة الـ م ـ د، وباقي العتاد الخاص بالحرب، وتركت في أيدي مجموعات قليلة منهم، أعداداً من البنادق، وكميات محدودة من الذخيرة للتضليل، وذر الرماد في العيون.

(ب) وهناك شيء آخر، يتعلق بالمقاومة الشعبية ودورها الذي كان يجب أن تؤديه.. ولا يقل خطورة وأهمية عن الأمر السابق.. وهو أن قيادة حزب البعث العربي (العنصرية الطائفية) كانت قد صنفت سكان تلك المنطقة (وكذا سكان سورية كلها)، إلى مواطنين من فئات متعددة، وذلك حسب الترتيب التالي:

ـ السكان من أصل عربي، مواطنين من الفئة الأولى.

ـ السكان من أصل غير عربي (كردي، أو شركسي، أو تركماني، أو تركي..) مواطنين من الفئة الثانية.

وكان هذا التصنيف، من أكبر الأسباب التي هدمت بناء المجتمع وهيأت البلاد لتقبل الهزيمة..

13ـ ومن الأمور المخزية التي كان لها دور كبير في تمزيق كرامة الجيش هو الدور السيء الذي كان لسلاح الإشارة.

فلقد صرح لي أحد القادة الذين كان لهم مكان في الحرب، أن أجهزة الإشارة كانت أيام الحرب غير صالحة للعمل بنسبة لا تقل عن (60 ـ70 %) وذلك لأسباب فنية متعددة[6] أهمها إهمال الصيانة الدائمة للأجهزة وضعف المستوى التدريبي لسدنة الأجهزة، وتعيين كثيرين من الاحتياطيين، سدنة الأجهزة لم يروها كل حياتهم، وقد نتج عن ذلك أمور خطيرة نجملها بما يلي:

(أ‌)                                             فقد القادة سيطرتهم على وحداتهم بسبب فقدان الاتصال.

(ب) فقد الاتصال بين الوحدات المتجاورة، وكان من أهم نتاج ذلك، فقدان التعاون بين وحدات القتال.

(ج) استطاعت شبكات العدو الدخول على شبكات القوات السورية، وبذلك تمكنت من تحديد مواقع القوات والقيادات، ثم.. تدميرها، وكذلك استطاعت هذه الشبكات المعادية إيقاع الفوضى والبلبلة في صفوف القوات، وإعطاء القادة صوراً زائفة عن الوضع، مما سبب لهم عجزاً مطلقاً عن اتخاذ أية قرارات فعالة.

14ـ الشؤون الإدارية: كانت في أسوأ حال، وكان لها كبير الأثر تدمير معنويات الوحدات، وشل فعالياتها، وفيما يلي نماذج من ذلك الإهمال المدمر:

ـ تركت القوات كلها بدون طعان مدة أربعة أيام متواصلة. ولنا عودة لموضوع الطعام خلال المناقشة.

ـ الماء كان مفقوداً خلال تلك المدة، والتزويد به بواسطة الآليات أو أية واسطة أخرى معدوماً، وشرب الجنود من كثير من برك الماء الآسنة.

ـ أكثر العربات توقفت على الطرقات لفقدان الوقود، فجاء الطيران ودمرها وهي واقفة في العراء، أهدافاً ثابتة.

ـ المواد الطبية.. كان حلماً من الأحلام أن يشم رائحتها أحد من الجنود، وخاصة في الأنساق الأولى، القريبة من حدود التماس مع العدو.

ـ وأما الذخيرة ـ وخاصة ذخيرة المدفعية م ـ ط فلقد سبق أن أشرنا إلى انقطاعها أكثر من مرة عن الأسلحة، وقد اضطرت كثير من بطاريات المدفعية م ـ ط لنقل ذخيرتها على ظهر الدواب، التي استؤجرت من القرى لهذه الغاية بعد تدمير الآليات أو تعطلها..

ـ سيارات الإسعاف، دمرت بواسطة الطيران المعادي.. وكان الإخلاء[7] مفقوداً.. فتركت على الطرق وعلى جوانبها الآليات والدبابات والأسلحة (المعطلة أو المدمرة، وحتى السليمة التي لم تصب بأذى)، وإلى جانب ذلك، ترك الجريح، والقتيل والمبتور، والمحروق، والذي سقط إعياء أو رعباً.. ذلك كله كان يغطي أرض الجولان ـ وخاصة قريباً من الطرق أو عليها ـ وأكثر الطرق التي ازدحمت بذاك الحطام هي الطرق المؤدية إلى دمشق أو درعاً أو اربد أو الأرض اللبنانية.

حدث ذلك كله في الوقت الذي كانت فيه مستودعات التموين المختلفة وخاصة في جباتا الخشب والحميدية، قد غصت بأنواع المؤونة المختلفة، ولكنها تركت للعدو ربحاً وفيراً، دون أن تستفيد منه القوات، فتقوم بواجبها خير قيام.

15ـ ولقد بلغ من سوء حال القوات في تلك الأيام العصيبة وجهلها بالأرض التي تتحرك عليها ـ والتي سبق أن كلفت بالقتال عنها ـ أن حقول الألغام (حقولنا)، كانت مجهولة من القوات التي حشدت في الجولان، لدرجة أن وحدات كاملة من (سرايا)، دخلت ـ خطأ ـ حقول الألغام (حقولنا)، ودفعت ثمناً لتلك الأخطاء، حياة عدد من أفرادها ومعنوياتها كلها، وروحها القتالية.. فكان لذلك دوره الكبير في تنفيذ المأساة التي خططت لوقوعها قوى الصهيونية، ونفذتها أجهزة حزب البعث.

16ـ ومن أكثر أسباب الألم للقلب والأسى للنفس.. الحديث عن أعمال التجسس والتخريب، التي قام بها عملاء العدو خلال تلك الأيام.

ولكن الحديث في هذا الموضوع، هو أيضاً من أكثر شعب الحديث حرجاً ودقة، لانه يفتقر إلى معلومات دقيقة، وأدلة واضحة، ولذا فسنكتفي بالحديث عن بعض ما وقع، دون الدخول في التفاصيل التي تحتاج إلى أدلة وإيضاحات لا نملكها.

ـ فلقد لوحظ أن مقرات القيادة التعبوية في كل من القطاعات وفي القنيطرة، قد قصفت بالطيران المعادي قصفاً بلغ من الدقة والإحكام غايتهما.. مما يدل على أن إشارات قد وضعت فوق هذه المقرات، لتدل الطيران على أماكنها، أو أن معلومات مسبقة قد وصلت لأيدي العدو، وحددت له أماكن تلك المقرات بالدقة الكاملة. وقد بلغ من دقة المعلومات لدى العدو أن الطيران لم يضرب سوى المواقع ومقرات القيادة الحقيقية، أما المواقع الهيكلية، ومقرات القيادة الخالية فلم يتعرض لها الطيران، وهذا وحده من أبلغ الأدلة على انتشار عملاء العدو وتغلغلهم المريع حتى استطاعوا الوصول إلى هذه الدقة.

ـ وكتيبة المدفعية الصاروخية العائدة لاحتياط الجيش: ما إن تحركت لاحتلال مرابضها المقررة، لتقوم بالتمهيد للهجوم المعاكس (على مستوى الجيش)، حتى تناولها الطيران المعادي ودمرها.. وهذه الدقة في الهجوم على وحدة تتحرك.. بعد دقائق من تحركها، تدل بدقة متناهية على أن هناك من أعطى ـ في الوقت المناسب ـ للعدو، التوقيت المقرر للتحرك، فجاء تدخل الطيران المعادي حاسماً ودقيقاً.

ـ فوجئ كثير من الأسرى، وخاصة الضباط، بالسلطات الإسرائيلية تعرض عليهم صوراً لمئات الضباط (سوريين ومصريين)، وتطلب منهم التعرف على أصحابها، وتزويدها بما يعلمونه عن كل منهم. ولقد لاحظ بعض الأسرى، أن على أكثر تلك الصور من وجهها الآخر، مطبوع ختم أحد المصورين المشهورين في القنيطرة[8].

ولهذه الصور قصة (تبدو الآن محزنة أكثر من أي وقت مضى)، وهي أن أسباب حصول ذاك المصور على العدد الأكبر من صور الضباط هو ما يلي:

(أ) أن ذاك المصور كان من أفضل المصورين في القنيطرة.

(ب) كانت القيادة بين حين وآخر، تطلب من الضباط أن يرسل كل منهم ـ ضمن مهلة قصيرة جداً ـ عدداً من صوره، لوضعها في ملفاتهم وخاصة في مناسبات الترفيع. ونظراً لقصر المهلة، كان يضطر القسم الأكبر من ضباط الجبهة لأن يؤمنوا تلك الصور المطلوبة بواسطة المصورين الموجودين في القنيطرة

(ج) ولقد ثبت بعد الحرب، أن ذاك المصور كان من أكبر من يزود السلطات الإسرائيلية بمعلومات مختلفة، وفي مقدمتها صور العسكريين ـ خصوصاً الضباط ـ وما يعرفه عن كل منهم.

ـ ولقد برز للعيان خلال ليالي تلك الحرب، أن شهباً ضوئية كثيرة انطلقت من أماكن شتى، وخاصة الأماكن الني كانت فيها وحدات أو عتاد أو مجموعات آلية ذات أهمية.. وفي اليوم التالي يأتي الطيران إلى حيث انطلقت الشهب، ويحوم حومات عدة، ثم يحدد أهدافه ويضرب.

والذي نستطيع توضيحه حول هذا الموضوع، أن الشهب لم تكن تطلق ـ بيد الجواسيس ـ لتحديد الأماكن التي يجب ضربها ـ وإنما لإعلام العدو عن وجود أهداف له في هذه المنطقة ـ لأن تحديد هدف ما بدقة كافية، بواسطة الشهب الضوئية، أمر غير ممكن ـ، ثم يتم تحديد المكان بدقة كافية في النهار، بطرق مختلفة، وأهمها الطيران، الذي يحدد أهدافه ـ وخاصة في ظروف سيطرة جوية كاملة له ـ ثم يضرب.

17ـ خلال فترة حشد القوات في الجولان، (لخوض الحرب) كما يزعمون.. حشدت في منطقة وادي الرفيد كتيبة دبابات برمائية[9] (22 دبابة)، وقد أعطيت هذه الكتيبة واجب الهجوم في الاتجاه (الرفيد ـ العال ـ الكرسي ـ جينوسار) وذلك في محاولة لتطويق القوات المعادية التي كان أكبر حشد لها شمالي بحيرة طبرية.

ولكن حين ألغيت خطة الهجوم (المزعومة)، وتحول الأمر إلى دفاع تركت هذه الدبابات معطلة دون أو تعطي أي واجب.. (ولعل القيادة قد نسيتها)، حتى كان يوم الهروب الكبير.

وفر سدنتها والقادة مع الذين فروا من الجبهة، وتركت هدفاً ثميناً للعدو ليستولي عليها جاهزة سليمة.

إلا أن بعض العسكريين، الذين آلمهم ترك هذه الكتيبة دون تدميرها أعلنوا للقيادة تبرعهم بالتسلل للوصول إليها والعودة بها إلى دمشق قبل أن يتمكن العدو من اكتشاف أماكنها ويستولي عليها فرفضت القيادة ذلك، وتركت الكتيبة (البرمائية الثمينة) هدفاً من أثمن الأهداف التي مكنت قيادة حزب البعث، العدو الإسرائيلي من السيطرة عليه والفوز به.

18ـ وبعد احتلال الجولان.. وبعد انتهاء الحرب بفترة غير يسيرة.. قامت بعض الوحدات الفدائية بالتسلل إلى منطقة (جباتا الخشب)، بعد أن وصل إلى علمها أن المستودعات التي هناك، لا تزال سليمة ولم تصل إليها يد العدو، وأخذت تنقل ما قدرت عليه مما في تلك المستودعات وكانت هذه فرصة عظيمة لهذه المنظمات للتزود بالكثير من السلاح والذخيرة.

ولكن ماذا جرى...

وصل إلى علم العقيد عبد الكريم الجندي (مدير مكتب الأمن القومي)، نبأ فعل المنظمات هذه فأخذ يلاحق قادتها ويطاردهم ويضغط عليهم، حتى تمكن من معرفة الأماكن التي خبأوا فيها ما أخذوه، فصادره منهم، ولكن قادة المنظمات لم يسكتوا، فقابله بعضهم وأفهمه أن عمله هذا مرفوض ومستهجن، وقال له (إننا نسرق السلاح من إسرائيل بعد أن تركه جيشكم لها ربحاً ثميناً سالماً من كل عطل، فهلا توجهت أجهزتكم إلى الذين تركوه للعدو بدلاً من ملاحقتكم لنا ؟).

وكانت ردة الفعل ـ طبعاً ـ السجن والتعذيب للفدائيين الذين ناقشوه الحساب، والتهديد بالقتل لكل من تسول له نفسه إزعاج أمن السيدة (إسرائيل)، وإقلاق راحتها بعد أن ضمن لها خط وقف إطلاق النيران حدوداً جديدة.

19ـ وهذه صورة من الجريمة، أخرناها حتى آخر المسلسل، رغم أن تاريخ وقوعها، كان في بداية الأحداث.. وهي قصة ترحيل العائلات، ونقل المتاع.

فأما عائلات العسكريين، وأثاث بيوت الضباط، فقد تم ترحيلها قبيل الحرب، وكلفت بهذه المهمة مئات الشاحنات العسكرية، في الوقت الذي كانت فيه الوحدات تعاني أزمة نقص خطرة في الشاحنات، لنقل القوات والأسلحة والتموين.

وبخصوص العائلات.. هناك أمر كنا نود لو ألا نذكره.. ولكنه يشكل سوءاً في أمانة الشرح لو أغفلناه.. وإخفاء عن القارئ لأبشع صورة من صور التمييز الطائفي الذي مارسته القيادة في سلسلة من جرائمها التي ارتكبتها لتهديم البنيان الاجتماعي للبلاد.. تمهيداً ليوم الهزيمة المتفق عليه.. فالعائلات التي رحلت (خوفاً عليها من أخطار الحرب).. هي عائلات العسكريين والموظفين أبناء الطائفة العلوية فقط، دون غيرها، وقد تم ترحيلها قبل وقوع الحرب بأسبوعين.

ولقد طالب بعض المخلصين، المحافظ السيد (عبد الحليم خدام[10])، بالعدل في معاملة كل الناس، والعمل على ترحيل كل العائلات.. فرفض بعناد متكبر وقح، وأنقذ عائلات العلويين من التشريد، علناً، وتحت سمع وبصر باقي السكان والعسكريين.. بل وأمر بالإعلان على المآذن وبواسطة مكبرات الصوت أن على السكان أن يصمدوا، وهدد كل من يغادر القنيطرة، أو ينقل منها شيئاً من متاعه، بالقتل علناً أمام جميع السكان ليكون عبرة لغيره.. فاضطر السكان المساكين إلى الرضوخ،، وهم يرون بحسرة وحرقة..

وهكذا.. شاحنات الجيش، في ظل حزب البعث.. تنقل أثاث ومتاع العسكريين البعثيين، وتترك عتاد الجيش وسلاحه ووثائقه وحتى وحداته نهباً لطيران العدو.. وقواته الغازية !

ثم ترك السكان فيما بعد.. وخلال الحرب، تنزح، وتهجر قراها وبيوتها، على نحو يمزق القلوب حزناً.. حاولنا إبراز صورته في صفحات سابقة..

20ـ وحتى أموال البلدية، وفرع البنك (الحكومي) الوحيد في القنيطرة، تركت في أماكنها، ولم تنقل إلى دمشق.. وقيل للعدو ها نحن سلمناك كل شيء.. كما اتفقنا.. حتى الأوراق والأموال والنقد.. و.. كل ما يحقق لك فائدة في الأرض التي قبضنا منك ثمنها..!

21ـ وكانت خاتمة الجرائم.. وأم الكبائر التي اجترحتها أيدي حزب البعث.. هو ذلك البلاغ المشئوم الذي أعلن سقوط القنيطرة، قبل أن تسقط. فما قصة ذلك البلاغ ؟

إن الذي ثبت لدينا حتى الآن.. أن القوات الإسرائيلية لم تطأ أرض القنيطرة (رغم كل تلك المخازي والجرائم التي شرحناها) إلا بعد إعلان سقوطها بما لا يقل عن سبع عشرة ساعة.

فلقد تمكنت قوات العدو الإسرائيلي، من اختراق الجبهة السورية، يوم الجمعة، في 9 حزيران 1967، حوالي الظهر وكان الاختراق في قطاع واسط (قنعبة ـ القلع)، ومن القطاع الشمالي فيما بين تل العزيزيات وتل الأحمر، بقوة تعادل 2 لواء دبابات، معززين بالطيران والمدفعية وكتيبة الأقليات، ودون وجود قوات مشاة رئيسية مع قوات النسق الأول المهاجم.

ورغم كل ما أشرنا إليه من جرائم مدبرة، وخيانات مرتكبة، وهروب كبير في صفوف القوات المدافعة، فإن العدو ـ رغم قوته المخترقة ـ لم يستطع التقدم بحرية تامة، ولاقى من المقاومات الفردية ضراوة وشراسة وعنفاً في المقاومة، ما جعله يتقدم في حذر شديد، ويتوقف عند أول بادرة مقاومة تظهر في وجهه، حتى ولو كانت طلقة من بندقية.

ولقد أذيع البلاغ المجرم، يعلن سقوط القيطرة، بينما كانت أقرب قوات متقدمة إليها تشتبك مع مقاومات بطولية فردية انبعثت من نقطة القلع وتل العزيزيات...

وكان للبلاغ المذكور.. فعل رصاصة الخلاص، فانهارت القوى المعنوية الجبارة التي أظهرت بطولات الرجال الأوفياء لأرضهم وبلدهم ـ وأؤكد أن ليس بينهم بعثي واحد ـ ودخل في روعهم أن مقاومتهم لم تعد تجدي، وبدأ يعتقد كل منهم ـ بفعل انقطاع الاتصالات وهروب القادة المسئولين ـ إنه قد أصبح وحيداً يقاوم في جزيرة غمرتها الأمواج من كل ناحية، فقرروا الانسحاب آملين أن يلتحقوا بوحداتهم الكبرى، لمعاودة القتال.. ولكنهم ما عتموا أن غادروا مواقعهم.. حتى فوجئوا بالخيانة التي ارتكبت ضدهم وضد بلادهم .. ورأوا أن القنيطرة، مازالت سليمة، ومازالت بيد قواتنا، وأن البلاغ الذي أعلن سقوطها كاذب مضلل فأسقط في أيديهم.. وخاصة بعد أن رأوا ذلك المنظر القبيح، منظر الفرار الذي سمي انسحاباً.. زوراً وتضليلاً !

ولنا عودة لموضوع البلاغ، خلال المناقشة المقبلة إن شاء الله.

22ـ وأسدل الستار عن تلك المسرحية، منذ يوم السبت 10 حزيران وبعد إعلان سقوط القنيطرة ـ كذباً وبهتاناً ـ فغادر دمشق أعضاء الحكومة والحزب (بقيادته كلها)، والجيش (بجميع ضباطه البعثيين المجرمين).. وأخذت أرتال الآليات (عسكرية ومدنية)، تتابع وتتدافع على طريق دمشق ـ حمص، حاملة في بطونها النساء، والأطفال، والضباط، والقادة (المسوخ) و.. من رجال حزب البعث تاركين دمشق مفتوحة الأبواب، مكشوفة الصدر والظهر والجوانب.. نهباً لكل غاز، وخلواً من كل حارس، وجانب السيارات تحمل مكبرات الصوت تثقل الأسماع بندائها المشئوم.. (ممنوع التجول .. ممنوع التجول).. وذلك في صورة جديدة من صور التآمر، لتسليم دمشق إلى العدو الغازي.. دون مطلق مقاومة، حتى ولو كانت من طفل أو امرأة..

وفي الوقت نفسه، اهتبل بعض لصوص الحزب الفرصة، ونهبوا ما استطاعوا نهبه من أموال البنك المركزي في دمشق، بحجة أن نقل احتياطي الذهب واجب (قومي) لئلا يقع بيد العدو فتفلس الدولة.. ويا ليتها تفلس !

23ـ (إن المعركة لا تقاس نتائجها بعدد الكيلومترات التي خسرناها... بل بأهدافها وما استطاعت أن تحقق. فقد كان هدف إسرائيل، ليس احتلال بضعة كيلومترات من سورية، بل إسقاط الحكم التقدمي فيها، وهذا ما لم يتم لها، ولذا يجب أن نعتبر أنفسنا الرابحين في هذه المعركة).


[1] - وهنا تبرز إحدى نقاط الضعف في نظام التصنيف السابق.. ولقد سبق لي أن أصدرت أوامر إلى وحدات القطاع الأوسط غايتها تعديل ذلك النظام والتخفيف من عبء الوثائق المتراكمة تحسباً لساعة كهذه الساعة. وسيرد شرح مفصل لهذا الموضوع في كتابنا القادم إن شاء الله.

[2] - إحدى التسميات التي أطلقها حزب البعث على التنظيمات المدنية المسلحة التابعة للحزب.

(107، 108) بعد (الاستعذار من صناع تلك الصيغة الكلامية، من فلاسفة (الثوريين).

 

[5] - هكذا أسموهم، وهم والله قد أصبحوا لاجئين منكوبين.

[6] - لست أدري إن كان ذاك متعمداً منذ ما قبل الحرب بمدة كافية لتعطل الأجهزة، أو بسبب انشغال الجيش كله في أمور السياسة والحكم، وإهماله لواجباته خلال حياته اليومية، وسواء أكان ذا أم ذاك.. فإن الجريمة قد وقعت.. وفي ظل، وتحت رعاية.. بل وبتنفيذ دقيق قام به حزب البعث.

   ويذكرنا هذا بموقف مشابه لأجهزة الإشارة، كان لها قبيل معركة النيرب عام 1962، وسنشرح ذلك مفصلاً في كتاب قادم إن شاء الله.

[7] -الإخلاء: تعبير يدل على مجموعة من الأعمال تقوم بها عناصر أو وحدات خاصة، تهدف في مجموعها إلى سحب جميع أنواع الإصابات (في الأفراد، والعتاد، والسلاح، والآليات) وذلك لدفن (الموتى) أو لمعالجة (الجرحى) أو  الإصلاح (السلاح والعتاد والآليات)، أو رفع الحطام من طريق القوات حتى لا يضعف من قدرتها الحركية، ولا يسبب انهياراً في معنوياتها.

[8] - المصور المذكور كان معروفاً في القنيطرة باسم (المصور مزيد)، وهو من أبناء قرية مجدل شمس.ومحله معروف باسم (استوديو العروبة).

[9] - من أحدث الدبابات التي وصلت إلى الجيش، ومن مميزاتها أنها قادرة على خوض مساحات واسعة من المياه (مستنقعات، بحيرات، أنهار عريضة).

[10] - من أسوأ النماذج التي قدمها حزب البعث لهذه الأمة المنكوبة، ومن أكثر الحزبيين تجبراً وتعصباً وكرهاً لغير البعثيين، وهو أكبر المجرمين المسئولين عن مجازر حماة في عام 1964، التي تم خلالها قصف المسجد الأكبر في المدينة بنيران الدبابات والطيران، وضرب بيوت الآمنين بالرشاشات ومدافع الدبابات.

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ