العلم السوري

دورية أسبوعية تصدر صباح كل أحد ـ الأحد 04 / 09 / 2005


هل أغلق سجن المزة بالفعل ؟

سؤال جدير بالطرح .. ولكن بخصوص " تدمر " على وجه التحديد !

( صفحات مجهولة من سجلات الدم والفساد في سجن المزة )

تقرير : نزار نيوف

   تساءلت  " أخبار الشرق " يوم أمس ( 32 آب / أغسطس) عما إذا كان سجن المزة قد أغلق بالفعل . وتحدثت في تقرير لها أسندته إلى مواطنين يقطنون في منطقة المزة عن أن " المظاهر التي كانت معهودة سابقا ، ما زالت مستمرة (...) فما زالت الأسلاك الشائكة تحيط بالموقع ، كما أن الأضواء تعمل ليلا ، تماما بالطريقة التي كانت تضيء بها قبل المعلومات التي تحدثت عن تفريغ السجن من نزلائه في 13 أيلول 2000 ، حسب أحد النشطاء السوريين  " . وأضاف التقرير قوله إن موقع سجن المزة " لا يزال عصيا على الاختراق ، فلا أحد يقترب منه " . وذكّر التقرير بالإشاعات التي راجت ونشرت في بعض وسائل الإعلام بعد مجيء بشار الأسد إلى سدة السلطة حول تحويل السجن إلى " معهد للعلوم التاريخية " ، فيما تحدث بعضها الآخر ، آنذاك ، عن أنه " تقرر تحويله إلى متحف " .

  لا يخفى على المتابعين أن المقصود بـ " أحد النشطاء السوريين " هو كاتب هذه السطور . فأنا ، كما أظن ، كنت الوحيد الذي تحدث عن إغلاق السجن في التاريخ المذكور . وأشرت في أكثر من مناسبة إلى الموقف المؤثر الذي حصل آنذاك ، حين كنت آخر من خرج من البوابة الرئيسة الداخلية للسجن عند الساعة الحادية عشرة و 25 دقيقة قبل ظهر اليوم المشار إليه ، بعد أن تقرر نقلي ( إعادتي) إلى سجن صيدنايا العسكري . فقد طلبت من مدير السجن العقيد بركات العش (بحضور المقدم فايز كنعان قائد دورية المباحث العسكرية التي تولت نقلي ، وعناصر الدورية ، إضافة لبعض عناصر السجن ) أن يسمح لي بوضع المفتاح في الباب وأقفله على نحو رمزي قبل أن أصعد إلى سيارة الدورية . وكانت علاقتي به ، التي لا يمكن الحديث عنها ما دامت الديكتاتورية قائمة في سورية ، تسمح لي بأن أطلب منه طلبا "غريبا" من هذا النوع . والواقع إن العقيد بركات لم يحرمني من هذه المتعة المعنوية غير القابلة للنسيان . وسأبقى ممتنا له على ذلك مدى الحياة . فأوعز للمساعد علي عمران ( ضابط أمن السجن ) بأن يعطيني المفتاح لأقفل الباب . وحين حدث ذلك ، لم أتمالك نفسي من التأثر فبكيت على مسمع الجميع وقلت للعقيد العش " سجل للتاريخ إنني أنا من أغلق السجن " ! فما كان منه إلا أن تفاعل مع الموقف هو الآخر واندفع صوبي ، منتزعا المفتاح من يدي ، ليضعه هو الآخر في القفل ويقوم بإغلاقه مرة أخرى ، قائلا " أنت سجل للتاريخ يا نيوف أن سجن المزة أغلق في عهد بركات العش " ! وللأمانة فقد كانت علامات التأثر واضحة على وجهه ، وقد لاحظها الجميع . وكان بإمكاننا أن نلمح دمعة تطفر في عينيه !

  ربما سينكر البعض على العقيد بركات العش هذا الموقف وتلك الأحاسيس ، بالنظر لتاريخه في الشرطة العسكرية ، والحظوة التي كان يتمتع بها داخل النظام ، لا سيما وأن مذبحة تدمر قد نفّذت حين كان معاونا لمديره المقدم فيصل غانم ؛ بل وجرت مؤامرة دنيئة ورخيصة لتحميله قسطا من المسؤولية عن المذبحة حين أقدم فيصل غانم ، بالاتفاق مع قائد الشرطة العسكرية آنذاك العقيد رسمي العيد المدعوم من رفعت الأسد أيضا ، على الحصول على إجازة اضطرارية لمدة ثلاثة أيام عصر اليوم الذي سبق المذبحة ، وبعد أن كان اتفق مع مندوبي رفعت الأسد على جميع التفاصيل اللوجستية المتعلقة بتنفيذ هذه الجريمة  ، بحيث يظهر أي تحقيق مستقبلي في القضية أن فيصل غانم لم يكن موجودا أثناء تنفيذ الجريمة ، وأن من يتحمل المسؤولية هو النقيب ( آنذاك ) بركات العش !!

  هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى فإن جميع البشر ، حتى وإن كانوا من عتات المجرمين ، ثمة جوانب إنسانية خامدة في الزوايا الخفية من تكوينهم ، ويمكن لها أن تظهر في لحظة ما من اللحظات  إزاء موقف من المواقف لا تستطيع فيه جلافتهم التي أكسبتهم إياها بيئتهم الشاذة أن تتغلب على تكوينهم الفطرية وجبلّتهم الإنسانية .

  ولكن ، لماذا هذه المقدمة المطولة ، ولمَ يصبح إغلاق سجن المزة موضوع شك في الوقت الذي يتوجب أن يتجه هذا الشك صوب سجن تدمر الذي أدرج طيّ النسيان منذ  الخبر الكاذب الذي تحدث عن " إغلاقه " المزعوم صيف العام 2001 !؟

 في الإجابة على ذلك ينبغي أن نعيد إلى الأذهان القصة الحقيقية لإغلاق هذا السجن ، بخلاف الأكاذيب التي روجها بعض مراسلي الصحف العربية المعتمدين في دمشق ، والذين ـ كما يعرف الجميع ـ تحول تلميع الوجه البشع للنظام إلى جزء أساسي من مهماتهم " الصحفية " كما لو أنهم جزء عضوي من ماكينته الإعلامية ، فراحوا يختلقون القصص الخرافية عن " العهد الجديد " ، ومن بينها تحويل السجن إلى معهد للعلوم التاريخية تارة ، وإلى متحف تارة أخرى . هذا فيما لم يتجرأ أحد منهم على التساؤل عن " مصير " سجن تدمر  رغم ما أشيع عن إغلاقه من قصص لا تقل كذبا واختلاقا ، ناهيك عن إمكانية  أن نفترض فيهم جرأة تسمح لهم بالمطالبة بزيارة السجن للتأكد من إغلاقه . ولا يمنع هذا بطبيعة الحال أن يذهب بعضهم ( كما فعل مراسل " السفير " زياد حيدر ، ابن الديبلوماسي الشهير ) على متن سيارة تابعة للمخابرات العسكرية في زيارة لمدة عشر دقائق وحسب (!) إلى سفوح " جبل عويمر " قرب تدمر كي يعد تقريرا لصحيفته اللبنانية " البعثية "  ـ السفير ، بعد تصريحات كاتب هذه السطور عن المقابر الجماعية صيف العام 2001 ، يقول فيه بما معناه " إن نيوف كاذب ، فلا أثر لهذه المقابر "  !

  أرجو أن يصبح معلوما لدى الجميع أن قرار إغلاق سجن المزة العسكري اتخذ منذ العام 1988 ، أي قبل إغلاقه فعليا بثلاثة عشر عاما . ومن البدهي القول إن هذا القرار  الذي أوعز به  الديكتاتور الراحل شخصيا ، لم يكن بدافع شفقته أو رحمته أو ميل عنده لإنقاص عدد " مقابر الأحياء " الجماعية التي يديرها نظامه ؛ وإنما بدافع آخر سبق وأشرت إليه في مناسبة أخرى ، ولو عرضيا ، ولا بد من تفصيله الآن .

  حين أصبحت عصابة سرايا الدفاع ، المنحلة في العام 1984، دولة داخل الدولة عمد " صاحبها " رفعت الأسد إلى وضع يده مباشرة ، أو عبر ضباطه ، على العديد من الأراضي المشاع ( أراضي الدولة ) ذات الطابع " الاستراتيجي " في دمشق وحولها . وذلك إما بهدف مركزة وحداته العسكرية أو بغرض إقامة تجمعات سكنية (" غيتوات ") لضباطه وعناصره مع أسرهم . ومن أشهر هذه الأراضي محيط سجن المزة العسكري الممتد ما بين حي " المزة جبل " والمزة ـ بنايات الـ 14 " و ما يسمى بـ " قصر الشعب " الذي يفصله عن السجن واد صغير يتخلله طريق عريض على سفحه يوصل إلى القصر وبعض مرتفعات وسفوح قاسيون . هذا بالإضافة لتلك المنطقة الواقعة بمحاذاة مطار المزة العسكري وعلى الجانب الأيمن للطريق المتجه إلى قطنا والقنيطرة . وقد سجل هذه الرقعة ( أي الواقعة قرب المطار) باسم زوجته الدمشقية السيدة رجاء بركات التي قامت بإطلاق اسم ابنها سومر عليها ، لتعرف من ثم باسم " السومرية " . ( وربما لا أحد يعرف قبل الآن من أين جاء اسم " السومرية " الذي أصبح اسما رسميا لهذه المنطقة التي بني عليها أكبر تجمع سكاني لضباط وعناصر سرايا الدفاع مع أسرهم ، والذين حاولت السلطة طردهم منها بعد حل سرايا الدفاع ، لتكتشف هذه السلطة أن الأرض مسجلة رسميا كأملاك خاصة باسم السيدة المذكورة ! ) .

 وفور أن وضع رفع الأسد يده على المنطقة المحيطة بالسجن ، بدأت " سرايا الدفاع " تقطع ضباطها وعناصرها قطعا من الأرض للبناء كما كان يحصل في زمن الإنكشارية التركية والدولة المملوكية تماما ! وفي بقعة من هذه المنطقة  ( من جهة حي المزة ـ جبل ) أقيمت بضعة أبنية طابقية حديثة ( ثلاثة أو أربعة على ما أذكر ) خصصت للضباط ، بينما ظلت المساكن التي بناها صف الضباط والعناصر بجهودهم الخاصة ، وبسبب ضيق ذات اليد ، أشبه بالخرائب التي لا يصلح الكثير منها إلا  حظائر للدواب ، وتفتقد لأدنى شروط السلامة العامة والسكن الصحي . ( حدثني صديق جيولوجي يعمل في وزارة النفط عن أن هناك دراسة غير منشورة تفيد بأن أي هزة أرضية قد تتعرض لها هذه المنطقة يمكن أن تسفر في الحال عن هلاك جميع سكان هذه المساكن / الحظائر ، لأن جميعها مبني بالطوب المجرد من الأعمدة الخرسانية ، فضلا عن أن معظمها مسقوف بصفيح الزنك ( التوتياء) والخشب وبعض الاسمنت القليل !!) .

 إلا أن تضخم سرايا الدفاع ، واتساع الضغط على المساحات المخصصة للبناء ، دفع بـ " الأجيال الجديدة " من عناصر هذا التنظيم الإنكشاري إلى التوسع في المنطقة المحيطة بالمنطقة الأصلية التي سبق وتمت مصادرتها . وكان هذا التوسع فرصة ذهبية لبعض بلطجيي سرايا الدفاع من الضباط وأعوانهم لكي يضعوا أيديهم على ما تبقى من هذه المناطق " المشاعية " المحيطة بالمنطقة المصادرة ، ويبيعوها لحسابهم الخاص بعد تقسيمها إلى " قصبات " تتراوح مساحة كل منها ما بين 50 ـ إلى 150 مترا مربعا . ولم يقتصر انتماء الزبائن على فقراء سرايا الدفاع من المجندين وصف الضابط ، فقط ، بل أصبح يشمل أقرباءهم المدنيين القادمين حديثا من الأرياف بحثا عن عمل ، فضلا عن مواطنين آخرين ربما " لم يسمعوا " من قبل باسم سرايا الدفاع !

  أواسط عقد الثمانينيات كانت هذه المنطقة ، التي أصبحت تعرف باسم " حي الـ 86 " ( وهو بالمناسبة مشتق من اسم الوحدة العسكرية التابعة لسرايا الدفاع التي انتمى إليها الجيل الأول ممن استوطنوا الحي) ، منطقة سكنية ضخمة تعد الآلاف  وتشكل جزءا أساسيا من أحزمة الفقر المحيطة بدمشق . وقد فاقم من بؤس المنطقة أن السلطة ، وبعد حل سرايا الدفاع ، منعت إدخال مواد البناء إلى هذا الحي ووضعت على مداخله حواجز ثابتة للشرطة العسكرية وأجهزة أمنية أخرى . وفي غضون ذلك ، أيضا ، كانت تلك المساكن / الحظائر قد  أصبحت ملاصقة تماما للشريط الشائك الذي يحيط بحرم السجن من جميع الجهات ، باستثناء الجهة الشرقية التي كان قد أصبح يتاخمها ، ويتداخل معها ، شيء أخر هو مفارز الحراسة التابعة للحرس الجمهوري ، التي تتولى الإحاطة بالسفوح الرملية ( المشجّرة حديثا ) لما يسمى بـ " قصر الشعب" الذي بني ( بمشورة الفنان الراحل فاتح المدرس ـ مصمم ومنفذ تزييناته الداخلية ذات الطابع الشرقي) فوق تلك التلة المواجهة تماما للتلة الأخرى التي يقبع فوقها سجن المزة ولا يفصل بينهما أكثر من 500 ـ إلى 800 متر كخط نظر ! وقد أدى تداخل حرم حراسة القصر ، ومجال حركة دورياتها الليلية ، بحرم حراسة السجن والمجال الذي يتحرك فيه حراسه الجوالون ليلا ، إلى وقوع اشتبكات بالأسلحة النارية بين الطرفين مرات عدة عن طريق الخطأ ، وإلى مقتل و/أو جرح العديد منهم ! وبالنسبة لي شخصيا ، كان يكفي أن أقف ـ مثلا ـ على سريري في زنزاتي الانفرادية في الطابق الثاني من السجن ( الواقعة مباشرة فوق مكتب القلم / الذاتية ) وأنظر من نافذتها كي أرى  نوافذ القصر بوضوح . أكثر من ذلك : في ليالي الصيف ، وحين تعم السكينة والهدوء ، كان بإمكان معتقلي السجن الذين تقع زنازينهم في الجهة الشمالية الشرقية منه ( كحالتي أنا ) أن يسمعوا حتى الأحاديث التي تدور فيما بين الأهالي الساهرين في بيوت الحي الملاصقة للسجن ( بعض هذه البيوت ، وتحديدا من الجهة المشار إليها ، لم يكن يبعد عن الشريط الشائك المحيط بالسجن أكثر من 20 مترا) !! وحين كانت الوفود الديبلوماسية تأتي لزيارة " الملك " الراحل ـ وهذا ما كان يلاحظه جميع المعتقلين الذين يمتلكون أجهزة راديو ـ كانت أجهزتهم تتوقف عن الالتقاط ، أو يصبح التقاطها مشوشا تماما لبضع دقائق ، بسبب أجهزة التشويش التي زودت بها مواكب الزوار للاحتياط ضد عمليات التفجير المتحكم بها بالريموت كونترول . فالطريق المؤدي إلى القصر عبر الوادي الصغير الذي أشرنا إليه أعلاه لم يكن يبعد عن السجن أكثر من مئتي متر كخط نظر !

  هذا الوضع ، بتفاصيله المشار إليها ، هي ما دفع السلطة إلى اتخاذ قرار بإلغاء السجن منذ صيف العام 1988 ؛ أي منذ أن تم " تدشين " السجن العسكري الأول ( المعروف باسم سجن صيدنايا ) . وبتعبير آخر : كان إغلاق السجن لسبب أمني بحت ، يتصل بتداخل البيوت السكنية مع حرم السجن من جهة ، و " تدشين " ما يسمى بـ " قصر الشعب " من جهة أخرى . إلا أن البيروقراطية ، وبعض الإشكاليات الإدارية المتعلقة بملكية بعض مساحات الأرض التي تشكل حرم السجن ، والتنازع عليها فيما بين وزارة الدفاع ( مالكة الحرم قانونيا ) ومحافظة دمشق ، وما تم اكتشافه من عمليات تزوير في " الطابو " ، أخرّا تنفيذ إغلاق السجن حتى العام 2001 . والواقع إن القضية الأخيرة ( أعني قضية التزوير في " الطابو " ) تستحق أن تروى بسبب " طرافتها " التي لا شبيه لها إلا " طرائف " مغامرات علي بابا في مغارته ؛ وبسبب مأساويتها التي لا تشبهها إلا مآسي الرقيق الذين بنوا الإهرامات والفلاحين في زمن الدولة الإنكشارية التركية !

  نهاية عقد السبعينيات الماضي ، وبعد أن أصبح رفعت الأسد صاحب الكلمة العليا أمنيا في البلد ، عمد المذكور إلى ندب وزرع عدد كبير من الضباط الموالين له إلى الوحدات العسكرية الأخرى والأجهزة الأمنية ( لا سيما المخابرات العامة ) . وكان من أبرز هؤلاء بهجت سليمان ( الذي عيّنه سيده رفعت رئيسا للفرع 300 في المخابرات العامة ، وهو الفرع الخارجي في هذا الجهاز ، قبل أن يصبح رئيسا للفرع الداخلي 251 .. ) ، والمقدم فيصل غانم ( كمدير لسجن تدمر ) و العقيد بهجت الصالح كمدير لسجن المزة العسكري ، خلفا للعقيد رسمي العيد الذي عيّن قائدا للشرطة العسرية بدلا من العميد علي المدني الذي اتهم ( داخل أروقة النظام)  بالتواطؤ في تهريب السلاح ، ولو بدافع البزنس ،  إلى تنظيم " الطليعة الإسلامية المقاتلة " .

 فور تسلمه إدارة السجن ، وكما أصبح عرفا وعادة و " قانونا" غير مكتوب في دولة بني الأسد الإنكشارية ، تصرف بهجت الصالح كما لو أن السجن إقطاعة من إقطاعاته . فعمد إلى اقتطاع جزء من حرم السجن تقارب مساحته الألفي متر مربع ، وبناء فيلا مع حديقة كبيرة على هذه المساحة ! وذلك ـ بالطبع ـ بعد تسجيلها رسميا في السجل العقاري لمدينة دمشق باسم زوجته . أما " العبيد " الذين تولوا أعمال السخرة في جميع عمليات الحفر وتجهيز البنية التحتية للبناء ، و أعمال حمل ونقل الطوب والاسمنت .. إلخ ، فلم يكونوا سوى معتقلي السجن أنفسهم ؛ الذين كانوا يقضون نهارهم كله في أعمال السخرة تحت حراسة أعقاب وفوهات البنادق ! ويمكن الآن لأي زائر إلى السجن ( الذي كان سجنا ) أن يلاحظ هذه الفيلا والحديقة المحيطة بها عند مدخله الرئيسي ( الخارجي ) في الجهة اليمنى ، وقد بدت كما لو أنها جزء من مساكن وأبنية حي المزة الواقعة خلف " بنايات الـ 14 " !

 أعمال بهجت الصالح الإجرامية في السجن ، التي كان يديرها بالنيابة عنه المساعدان المجرمان بديع معلا ( من ريف جبلة ) و أبو رامز ونوس ( من قرية دير ماما في مصياف )  ( إذا لم تخني الذاكرة في حفظ اسميهما على نحو مضبوط ) ، لم تقتصر على ذلك . فبالإضافة لتعذيب المعتقلين والتنكيل بهم ، وهذا من طبيعة الأشياء وبدهياتها في سورية كما يعرف الجميع ، كانا يعمدان إلى مصادرة جميع الأغراض الشخصية التي يحضرها الأهالي خلال زياراتهم لأبنائهم المعتقلين . وبعد انتهاء الزيارة يقومان بإعادة بيعها للمعتقلين المزارين أنفسهم !! ( من ابتكارات بهجت الصالح الإجرامية في التعذيب أنه كان يأمر المساعدين المذكورين على إدخال عصا المقشة أو المساحة في شرج كل عسكري مجند يأتي إلى السجن بتهمة ممارسة اللواط . ومن المعلوم أن جميع السجون العسكرية المخصصة للسياسيين كانت تضم أجنحة للعسكريين المعاقبين بتهم تتصل بالحق العام ، كالفرار من الجيش وحوادث السير ومخالفة التعليمات العسكرية ... إلخ . حيث يصار إلى استخدام هؤلاء كعناصر " سخرة " داخل السجن  طيلة فترة تنفيذ عقوبتهم ، كالتنظيف والطبخ وتوزيع الطعام ... إلخ . وقد أصبح الاسم الاصطلاحي لهؤلاء هو " البلدية " ! ) .

 نهاية العام 1991 ، وحين كانت الرائحة الكريهة لبهجت الصالح وعصابته قد أصبحت تملأ سوريا ولبنان معا ( كان يمارس القرصنة على أهالي المعتقلين اللبنانين أيضا ) ، صدر أمر باعتقال أفراد هذه العصابة من قبل المخابرات العسكرية ، ونقل العقيد بركات العش من سجن صيدنايا ليتسلم إدارة سجن المزة مع المساعدين محمد هلال و علي عمران اللذين أصبحا ضابطي أمن سجن المزة حتى تسريح الأول في العام 2000 لأسباب صحية ، وإغلاق السجن بالنسبة للمساعد الثاني . وحين اعتقلت في 2 /1 /1992 من قبل فرع المنطقة ( فرع دمشق) في المخابرات العسكرية على ذمة قضية " لجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية " ، حيث كان زملائي الآخرون قد سبقوني إلى الاعتقال ، كان بهجت الصالح في فرع المخابرات المذكور يحمل سبّحة من مئة حبة و يصيح طوال النهار والليل في الزنزانة الملاصقة لي " يلعن أبو الظلم ! أنا شو عملت حتى يذلّوني هيك ؟ " ! ولا داع للتساؤل عما إذا كانت الفيلا والأرض المقتطعة من حرم السجن قد تمت مصادرتهما بعد اعتقال بهجت الصالح ، فالجواب يمكن استنتاجه ببساطة ! ذلك أن مدرسة " الفقه الدستوري " التي أرسى دعائمها " الملك " الراحل ، كمساهمة منه في تطوير " نظرية الحكم " ،  " تؤكد على " حق كل لص عمومي رفيع بالاحتفاظ بمسروقاته باعتبارها حقا مكتسبا ، طالما أن صاحبها لم ينزع ثقته بمليكه " !

 الحرس الجمهوري يتسلم سجن المزة رسميا :

  بالنظر للوضع " الطبوغرافي " و " الديمغرافي " الذي أصبح يحيط بالسجن ، كما أشرنا أعلاه ، صدر قرار من وزير الدفاع السابق مصطفى طلاس صيف العام 2000 ، بناء على طلب ماهر الأسد ، بتفعيل القرار السابق الذي يتعلق بإغلاق السجن ، وبتحويل " ملكية " السجن وجميع المنشآت والأراضي التابعة له إلى ملاك " الحرس الجمهوري " . وفي يوم الخميس 17 آب / أغسطس من العام نفسه ، وبينما كانت عملية تفريغ السجن من المعتقلين ونقلهم إلى سجني تدمر وصيدنايا العسكريين قد بدأت فعليا وبمعدل دفعة واحدة أسبوعيا ، حضر اللواء علي حسن قائد الحرس الجمهوري ، مع بعض ضباطه ( عرف منهم العقيد بشير قره فلاح ) ، وأجروا معاينة شاملة للسجن قبل تسلمه رسميا . وكان برفقة هؤلاء كل من قائد الشرطة العسكرية بالوكالة ( العميد مصطفى العيزوقي رئيس فرع الشرطة العسكرية في حلب آنذاك ، إذا لم تخني الذاكرة ) ومديرا الشؤون الإدارية وإدارة السجون في هذه الشرطة . ( قائدها السابق العميد علي معلا كان قد أحيل على التقاعد قبل ذلك بعدة أسابيع، أي بتاريخ 1/7/2000 ، وعيّن محافظا للحسكة قبل طرده لاحقا بتهمة الفساد الفاجر الذي استمر في ممارسته بعد أن أكل الأخضر واليابس في الشرطة العسكرية أيضا . فقد وصل به الأمر إلى حد سرقة مخصصات السجناء الغذائية رغم قلّتها وخصاصتها أصلا) .

   ولكن ماذا يفعل " الحرس الجمهوري " ببناء السجن الذي كان أصبح منذ سنوات طويلة أيلا للسقوط وغير صالح للسكنى والاستخدام ؟

 المعلومات المؤكدة تفيد بأن ماهر الأسد  حولّه استراحه خاصة به ، ومكتب رديف لمكتبه الأصلي ، بعد أن أجرى عملية تجديد شاملة على البناء الذي بني طابقه الأول في العام 1923ـ1924 من قبل المستعمرين الفرنسيين كـ " قشلة " خاصة بهم ( ثكنة عسكرية ) ، إذ كان يمكن ملاحظة الحلقات المعدنية المخصصة لربط الخيول في بهو الطابق الأول ، التي بقيت حتى إغلاق السجن ؛ ثم في فترة لاحقة  كمركز اعتقال خاص ببعض قادة وزعماء الحركة الوطنية قبل الاستقلال . أما الطابق الثاني فبني في عهد الديكتاتور أديب الشيشكلي . بينما جرت إضافات أخرى على هذا الطابق ( خمس غرف كبيرة  مع مطبخ وحمام ) مطلع السبعينيات من أجل قادة النظام السابق ( الرئيس نور الدين الأتاسي ورفاقه : صلاح جديد ويوسف زعين ومروان حبش و أحمد سويداني وسليمان الخش ومحمد رباح الطويل ... ) ، فضلا عن غرفتين صغيرتين بالقرب منهما ، مع حمّام ومطبخ ، للقيادة السابقة أيضا . وحين وصلت إلى السجن بتاريخ 7 آب / أغسطس 1993 ، كانت هاتان الغرفتان قد أصبحتا شاغرتين بسبب إطلاق سراح بعض أعضاء القيادة السابقة ( زعين وحكم الفايز وحبش .. ) ، فقرر العقيد بركات العش تخصيصهما لي  ، بالنظر لأنه لم يكن في السجن أي مكان آخر يسمح له بوضعي في السجن الانفرادي كما قضى أمر رأس النظام وزبانيته اعتبارا من 13 كانون الثاني / يناير 1993 . وقد بقيت في هاتين الغرفتين  حتى تاريخ إغلاق السجن بتاريخ 13 أيلول / سبتمبر 2000 ونقلي إلى سجن صيدنايا ، إذ كنت آخر من غادره كما أشرت سابقا .

 بناء على ما تقدم ، فإن ما نقله تقرير " أخبار الشرق " عن مواطنين في منطقة السجن ، وإشاراتهم لاستمرار " بعض المظاهر السابقة " ، ليس في الواقع سوى علامات إشغاله من قبل ماهر الأسد وفريقه . ويمكننا أن نؤكد أنه لم يتحول إلى سجن مرة أخرى . أو على الأقل لم يتحول إلى سجن سياسي ثانية .  فلدى الحرس الجمهوري عدد وفير من السجون الخاصة بالعقوبات الانضباطية لضباطه وعناصره ، أهمها  ما اصطلح على تسميته بـ " سجن الطاحونة الحمراء " الواقع إلى يمين الطريق المتجه من ساحة الأمويين إلى ساحة الجمارك في البرامكة ، وعلى نحو ملاصق تماما لحرم إدارة الأمن الجنائي . هذا فضلا عن أماكن الاعتقال السرية التي يستخدمها جهاز أمن الحرس الجمهوري ، ولو على نطاق محدود جدا ، لأشخاص يجري اعتقالهم إثر عمليات خاصة معينة ، أو لأسباب استثنائية جدا ، كالمعتقل الواقع في حرم " الكتيبة الثانية " في الحرس الجمهوري ، بالقرب من جسر دمّر ـ الهامة . ففي هذا السجن كان أحمد أبو عدس ( بطل فيلم " الجزيرة " المتعلق باغتيال الرئيس الحريري ) معتقلا بتاريخ 6 كانون الثاني / يناير من هذا العام بعد تسلّمه من المخابرات العامة ( أمن الدولة ) التي اعتقلته حين كان في طريقه إلى العراق !

  استنادا إلى ما تقدم أيضا ، فإن تساؤل " أخبار الشرق " عما إذا كان سجن المزة قد أغلق فعلا ، يجب طرحه فيما يخص سجن تدمر على وجه التحديد . إذ بإمكاننا أن نؤكد على أن قسمه " الغربي " ، الذي كان مخصصا للسياسيين ، لم يزل مستخدما كمركز اعتقال حتى الآن . وباستطاعتنا التأكيد أن أكثر من مئتي معتقل ( على الأقل ، و بتحفظ شديد ) من الإسلاميين السوريين والعرب الذين جرى اعتقالهم على خلفية ما يسمى بـ " الجهاد " في العراق ، فضلا عن اثني عشر لبنانيا ( على الأقل ) و بضع مواطنين أردنيين . أما قسمه " الشرقي " الذي كان مخصصا لسجناء الحق العام العسكريين ، فجرى نقل نزلائه إلى السجن الجديد الذي بني لهؤلاء داخل حرم سجن صيدنايا العسكري قبل أكثر من خمس سنوات .

  أما وقد أصبحت الصورة واضحة ، كما نأمل ، بخصوص وضع سجن المزة ، فإن ما نأمله من منظمات حقوق الإنسان في سورية أن تتوقف عن الحديث ، ولو تلميحا ، حول الإغلاق المزعوم لسجن تدمر ، وتستأنف حديثها عنه .. على الأقل بوصفه مركز اعتقال لمّا يزل مستخدما .. إذا لم يكن لديها من الشجاعة ما يكفي للمطالبة بزيارته وتفقده إذا كانت مقتنعة فعلا بأنه " أغلق " !

 وبالعودة إلى موضوع " الإغلاق " المزعوم ، ينبغي أن نشير إلى  أن الخبر الوحيد الذي تحدث عن " إغلاق " سجن تدمر كان ورد في بيان صادر عن اللجنة العربية لحقوق الإنسان في باريس بتاريخ السبت 1 أيلول / سبتمبر 2001 . حيث اعتبر البيان  إغلاق السجن " مؤشرا رمزيا إيجابيا وهاما لنهاية حقبة سياسية " !!؟ ( من نص البيان الذي وزعته وكالة الأنباء الفرنسية في اليوم ذاته ) . كما أن المحامي هيثم المالح ، على ما أذكر ، أطلق تصريحات مشابهة لذلك في مضمونها خلال العام الماضي . وإذا كان بيان " اللجنة العربية " (الذي خصّص في الأصل للحديث عن نقل 137 سجينا مريضا من تدمر إلى صيدنايا ، وجرى " دحش " خبر  إغلاق سجن تدمر في سياقه دون أي مبرر ) ،  وتصريح المحامي المالح حول الأمر نفسه ، صادرين بدافع حسن النية والفرح بهذا الخبر كما نفترض ، فإن ما صدر في ذلك الوقت من إشاعات وأكاذيب من جهات أخرى أبطالها بعض مراسلي الصحف العربية من السوريين الذين كان ينفخ في أقلامهم بهجت سليمان  حول " إجراءات الانفتاح والانفراج الأمني الذي يقوده الرئيس الجديد " ، لم يكن إلا حلقة من برنامج تضليل واسع النطاق ، وجزءا من رهانات خادعة أو مخدوعة  تعول على هذا الرئيس الذي " سيشيل الزير من البير " ، والذي تبين بعد خمس سنوات من حكمه أن لدى والده الراحل الكثير مما سيُذكر بالخير عليه .. قياسا بابنه الذي أثبت أنه لا يمكن أن يكون " ولدا عاقا " .. أبدا !

باريس ، 24 آب / أغسطس 2005

نزار نيوف

كاتب وصحفي سوري مقيم في باريس

 (جائزة اليونسكو لحرية الصحافة ـ العام2000 )

Tel/Fax (0033)1 49 65 90 76

Email : nizar-nayouf@syria-nationalcouncil.org & nizarnayouf@yahoo.com  

 

 


سورية الحرة ـ صوت (المدنيون الأحرار) ـ

info@thefreesyria.org

ـ